الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : السياسة الشرعية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
526 - رقم الاستشارة : 3868
19/01/2026
سمعنا أن هناك آراء حول هل الشورى معلمة أو ملزمة ، فهل هذا الخلاف سائغ، وما الرأي الراجح الذي يناسب عصرنا؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة
والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فهذه المسألة؛ مسألة أن الشورى معلمة
أم ملزمة من المسائل التي اختلف فيها الفقهاء والعلماء، ولكل فريق أدلته القوية،
فيرى جمهور الفقهاء القدامى أن الشورى معلمة وليست ملزمة، ويرى عدد من الفقهاء
المعاصرين أن الشورى في هذا الوقت ملزمة، وهو ما يناسب التطور الذي حدث في الواقع
الذي نعيشه، وهو ما يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في احترام عقل الإنسان المسلم
كفرد، فما بالنا لو كانت مجموعة عقول متخصصة نظرت وفكرت ودرست وأبدت الرأي
والمشورة، وكذلك هذا الرأي يحارب الاستبداد والتفرد بالرأي الذي مُنيت به أمتنا.
ويمكننا تلخيص الآراء في اتجاهين
رئيسيين:
الاتجاه الأول: الشورى مُعلِمة
(للاستئناس وليست ملزمة للحاكم)
وهذا هو رأي جمهور العلماء من المذاهب
الأربعة وحجتهم تتلخص في الآتي:
أولاً: ظاهر النصوص: استدلوا بأن الله
تعالى وجّه الأمر بالشورى للنبي ﷺ في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا
عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: 159). قالوا إن الآية أسندت
"العزم" النهائي للنبي ﷺ وحده بعد المشاورة، مما يعني أن القرار الأخير
له، ولو كانت الشورى ملزمة لقال: "فإذا عزموا" أو "فإذا
أجمعوا"، ويمكننا الرد على هذا الدليل أن هذه الآيات نزلت بعد غزوة أحد التي
نزل فيها النبي ﷺ على رأي أصحابه، وعلى الرغم من الهزيمة قال الله له وشاورهم!
ثانيًا: فعل النبي ﷺ: في مواقف حاسمة،
أخذ النبي ﷺ برأي يخالف رأي أغلبية الصحابة. أشهر مثال هو صلح الحديبية؛ حيث كان
رأي كبار الصحابة، مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، هو رفض الشروط التي بدت مجحفة،
لكن النبي ﷺ، بوحيٍ من الله وتأييد منه، أمضى الصلح الذي كان فتحًا مبينًا،
ويمكننا الرد على هذا الدليل بقولنا إنه لا شورى في موطن الوحي.
ثالثًا: طبيعة المسؤولية: الحاكم
(الإمام أو ولي الأمر) هو المسؤول الأول والأخير أمام الله عن قراراته. فمن غير
المنطقي إلزامه باتباع رأي لا يقتنع بصوابه ثم يُحاسَب هو على نتائجه.
وخلاصة هذا الرأي: الشورى واجبة على
الحاكم، ويأثم إن تركها واستبد برأيه. ولكنها في النهاية للاستنارة والاسترشاد،
ويبقى القرار النهائي له، يختار ما يراه الأصلح والأقرب لمرضاة الله وتحقيق
المصلحة العامة.
الاتجاه الثاني: الشورى مُلزِمة (يجب
على الحاكم اتباع رأي الأغلبية)
وهذا الرأي تبناه عدد من العلماء
المحققين قديمًا وحديثًا، وأصبح هو الرأي السائد لدى كثير من المفكرين الإسلاميين
المعاصرين، وربما كان هذا الرأي مناسبًا لزمانهم ومكانهم وأحوالهم، ونستطيع أن
نلخص أدلتهم فيما يلي:
أولا: مقصد الشورى: فما فائدة الشورى
إن كانت مجرد استماع للآراء ثم يلقي بها الحاكم عرض الحائط؟ هذا يفرغها من مضمونها
ويجعلها شكلية.
المقصد من الشورى هو الوصول إلى أفضل
قرار ممكن من خلال تضافر العقول، ورأي الجماعة أقرب إلى الصواب من رأي الفرد.
ثانيًا: صيغة الأمر الإلهي: الأمر في
قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38) جاء في سياق الثناء
على صفات المؤمنين الأساسية (كإقامة الصلاة والإنفاق)؛ ما يدل على أنها ركن أساس
في حياة الجماعة المسلمة. جعل الله "أمرهم" كله قائمًا على الشورى، وهذا
لا يتحقق إلا إذا كانت نتائجها ملزمة.
ثالثًا: فعل الخلفاء الراشدين: كان
الخلفاء الراشدون، وهم خير من فهم الإسلام بعد النبي ﷺ، يلتزمون برأي أهل الشورى.
فعندما اختلف الصحابة حول توزيع أراضي سواد العراق بعد فتحها، أخذ عمر بن الخطاب
برأي القائلين بعدم تقسيمها على الفاتحين وجعلها وقفًا للأجيال القادمة، رغم
معارضة البعض في البداية.
رابعًا: سد باب الاستبداد: القول بأن
الشورى ملزمة هو الضمانة الحقيقية لمنع الحاكم من التفرد بالسلطة والاستبداد
بالرأي، وهو ما عانت منه الأمة كثيرًا عبر تاريخها.
وخلاصة هذا الرأي: الشورى واجبة
وملزمة للحاكم في الأمور التي لا يوجد فيها نص صريح من القرآن أو السنة، وفي
المسائل الاجتهادية التي تتعلق بالمصالح العامة للأمة.
يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف
القرضاوي –رحمه الله- في إجابته عن سؤال مطول عن الديمقراطية:
بقي أن أذكر أن بعض العلماء، لا زالوا
يقولون إلى اليوم : إن الشورى معلمة لا ملزمة، وأن على الحاكم أن يستشير، وليس
عليه أن يلتزم برأي أهل الشورى ـ أهل الحل والعقد. وقد رددت على هذا في مقام آخر،
مبينًا أن الشورى لا معنى لها، إذا كان الحاكم يستشير ثم يفعل ما يحلو له، وما
تزينّه له بطانته، ضاربًا برأي أهل الشورى عرض الحائط، وكيف يسمَّى هؤلاء
"أهل الحل والعقد" كما عرفوا في تراثنا، وهم في الواقع لا يحلون ولا
يعقدون؟!
وقد ذكر ابن كثير في تفسيره نقلاً عن
ابن مردويه عن علي رضي الله عنه أنه سئل عن العزم في قوله تعالى: {وشاورهم في
الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} (آل عمران: 159)، فقال: مشاورة أهل الرأي ثم
اتباعهم. وإذا كان في المسألة رأيان، فإن ما أصاب أمتنا ـ ولا يزال يصيبها إلى
اليوم ـ من وراء الاستبداد، يؤيد الرأي القائل بإلزامية الشورى.
ومهما يكن من خلاف، فإذا رأت الأمة أو
جماعة منها أن تأخذ برأي الإلزام في الشورى، فإن الخلاف يرتفع، ويصبح الالتزام بما
اتفق عليه واجبًا شرعًا، فإن المسلمين عند شروطهم، فإذا اختير رئيس أو أمير على
هذا الأساس وهذا الشرط، فلا يجوز له أن ينقض هذا العقد، ويأخذ بالرأي الآخر، فإن
المسلمين على شروطهم، والوفاء بالعهد فريضة.
وحين عرض على سيدنا على ـ رضي الله
عنه ـ أن يبايعوه على الكتاب والسنة وعمل الشيخين ـ أبي بكر وعمر ـ قبله، رفض هذا
ـ أعني الالتزام بعمل الشيخين ـ لأنه إذا قبله يجب أن يلتزم به. وبهذا تقترب
الشورى الإسلامية من روح الديمقراطية، وإن شئت قلت: يقترب جوهر الديمقراطية من روح
الشورى الإسلامية. أ. هـ باختصار.
الترجيح وفق مقاصد الشريعة الغراء
إذا نظرنا إلى واقعنا المعاصر،
بتعقيداته وتحدياته، فإن القول بإلزامية الشورى يبدو هو الأنسب والأقوى والأكثر
تحقيقًا لمقاصد الشريعة، وذلك لعدة أسباب:
أولا: تعقُّد شؤون الدولة: لم تعد
إدارة الدول بسيطة كما كانت في السابق. اليوم، تتشعب الأمور الاقتصادية
والاجتماعية والسياسية والدولية، ويستحيل على شخص واحد، مهما بلغت عبقريته، أن
يحيط بكل جوانبها. الشورى الملزمة تضمن الاستفادة من كل الخبرات والتخصصات في
اتخاذ القرار.
ثانيًا: الحاجة إلى مؤسسات مستقرة:
الدول الحديثة تقوم على المؤسسات لا على الأشخاص، والقول بإلزامية الشورى هو أساس
بناء المؤسسات التشريعية والرقابية (مثل البرلمانات ومجالس الشورى) التي تضمن
استقرار الحكم وتحمي الأمة من أهواء الحكام وتقلباتهم.
ثالثًا: تحقيق المشاركة المجتمعية:
إلزامية الشورى تعزز شعور الانتماء لدى أفراد الأمة، فهم يرون أن رأيهم له قيمة
وأثر في صنع القرار، وهذا يدفعهم للمشاركة الإيجابية في بناء مجتمعهم ونهضة أمتهم،
بدلاً من السلبية واللامبالاة.
رابعًا: الوقاية من الفساد والطغيان:
التاريخ والواقع يشهدان بأن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة، وأقوى ضمانة ضد الطغيان
والفساد هي وجود هيئة شورى قوية وملزمة، تستطيع محاسبة الحاكم وتقويم قراراته.
لذلك، يمكننا القول إن روح الإسلام
ومقاصده العليا في تحقيق العدل ومنع الظلم وحفظ مصالح الناس، كلها تتوافق مع القول
بأن الشورى في عصرنا يجب أن تكون ملزمة، مع وضع الضوابط الشرعية والمؤسسية التي
تضمن تطبيقها بشكل صحيح وفعّال.
والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
مظاهر اهتمام القرآن الكريم بالشورى
5 صور لتطبيق الشورى في حياة النبي ﷺ
د. يحيى بوزيدي: الشورى مبدأ لا يمكن الاستغناء عنه