الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : فكر معاصر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
286 - رقم الاستشارة : 4261
04/03/2026
تابعت ما كتب عن مسألة القتل الرحيم على موقعكم، وسؤالي وبجانب الرأي الفقهي ما هو الموقف الفلسفي وراء هذا الاتجاه المتصاعد؟
أخي الكريم، سؤالكم يكشف عن أبعاد متعددة لأزمة الإنسان المعاصر،
فهذا الإنسان أصبح يظن أن قرار الحياة والموت بيده، فإذا أحس بالمعاناة من مرض أو
شيخوخة فيحق له أن ينهي حياته، وكأن الحياة ملك له، وليست منحة من الخالق سبحانه
وتعالى، وأن الخالق هو من بيده وحده قرار الموت؛ لأن ذلك حق إلهي لا خيارًا بشريًّا.
تعمق المادية في وجدان الإنسان المعاصر جعلته لا يبصر أي حكمة في
معاناته خاصة إذا أصابه مرض عضال، وسوّلت له المادية أن الموت هو انتهاء للمعاناة؛
فالمادية لا تؤمن بأي شيء بعد الموت، فالحياة في تصورها "أرحام تدفع، وأرض
تبلع" وليس بعد الموت إلا الفناء واللاشيء.
الحياة حق إلهي
أثار موضوع قتل النفس بسبب المعاناة وبخاصة من المرض، جدلاً فلسفيًّا
قديمًا، فنجد بعض الفلاسفة نظر لما سمي بـ"القتل الرحيم" على أنه
انتحار، ورأوا فيه فعلاً لا عقلانيًّا، وكان هذا رأي الفلسفة الأبيقورية (وهي
فلسفة يونانية قديمة تقوم على مبدأ أن اللذة هي الخير وأنها الهدف الأسمى للحياة،
ولكنها لذة عقلية لا جسدية). أما الفسلفة الرواقية (وهي فلسفة يونانية قديمة تدعو
للتناغم مع الطبيعة والصبر على المشاق وتقبل القدر) فاستخدمت مصطلح
"أوثانازيا" Euthanasia وهي تعني القتل الرحيم أو الموت الجيد الميسر، وإليها ترجع فكرة القتل
الرحيم التي ظهرت منذ عقود في بعض الدول الغربية.
وفي عالم الأديان، رفضت اليهودية والمسيحية في العصور الوسطى مسألة
القتل الرحيم للأشخاص الميؤوس من شفائهم، واعتبروا هذا القتل نوعًا من الانتحار.
لكن مع الثورة الصناعية والحداثة والعلمنة وما تلاها من ابتعاد
المقدس الديني عن التأثير في وعي الناس وأفكارهم في الغرب، تغيرت الرؤية
للجسد، فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه سر إلهي وتجسيد للعظمة الإلهية في
الخلق والإبداع، بات يُنظر إليه على أنه "آلة" وأن الجسد يخضع لمنطق
الآلة التي تخرج من الخدمة عندما تكون نفقات تشغيلها أكثر من قدرتها على الإنتاج،
وأخذ بعض الفلاسفة يبررون هذا النوع من الانتحار، مثل "فرنسيس بيكون"
(المتوفى: 1626م)، وهو فيلسوف إنجليزي ينسب إليه المنهج العلمي التجريبي، حيث أيّد
فكرة القتل الرحيم واعتبره "موتًا عذبًا محاطًا بالرعاية"، وهو
نفس المنطلق الذي يرفعه بعض الأطباء الحاليين وغيرهم في تبرير هذا النوع من الموت،
من خلال تقديم المساعدة الطبية لهؤلاء المرضى الميؤوس من شفائهم لكي ينتحروا، على
يد الأطباء.
معضلة أخلاقية
أصبح القتل الرحيم مشكلة أخلاقية خاصة مع انتشاره في عدد من الدول
مثل سويسرا وهولندا وبريطانيا وكندا والولايات المتحدة، وتزداد أزمته مع تقدم
الوسائل الطبية التي تُمكن هؤلاء من تحقيق رغبتهم في إنهاء حياتهم.
الفلسفة النفعية لا ترى أزمة في هذا النوع من الموت؛ لأن استمرار
هؤلاء في الحياة مع المعاناة يضر بهم في تحقيق جودة لحياتهم، ويضر بالمجتمع من خلال
استنزاف موارده لرعايتهم دون أن يكون هناك أمل في الشفاء، ويبرر هؤلاء موقفهم بأن
التكلفة النهائية لرعاية حالات الزهايمر في الولايات المتحدة عام 2023 بلغت (15)
مليار دولار، وأن الأهل قدّموا لهؤلاء الذين يعانون من الزهايمر ما يعادل (360)
مليار دولار خدمات غير مدفوعة الأجر، ويتوقع أن تصل إلى تريليون دولار مع العام
2050م.
وأمام هذا المأزق لا ترى النفعية إلا حلاً واحدًا هو إعطاء هؤلاء
المرضى الحقَ في إنهاء حياتهم، ووضع تشريع قانوني لهذا النوع من الموت ما هو إلا
ضرورة اقتصادية واجتماعية، خاصة أن المجتمع الغربي يتجه نحو الشيخوخة بسبب قلة
المواليد، كما أن جودة الخدمات الطبية قد تطيل أعمار هؤلاء لسنوات طويلة.
الرؤية الإسلامية يغلفها التوحيد والعدل والرحمة في النظر إلى مسألة
"القتل الرحيم" فهي ترى أن حق الحياة والموت هو حق إلهي وليس خيارًا
إنسانيًّا، وبالتالي فمناقشة هذا النوع مع القتل مستبعد إبتداءً، لأنه حق مرتبط
بالمقدس، ومن ناحية أخرى فالرؤية الأخلاقية ترى هذا الفعل ما هو إلا قتل للنفس،
ولكن قرار القتل تم اتخاذه بصورة هادئة، وسيتم تنفيذه بأيد مفترض أن تساعد في
استمرار الحياة وإيجاد جودتها من خلال رعاية الصحة؛ فالطبيب ليس هو الشرطي الذي
ينفذ الحكم القضائي بشنق المحكوم عليهم بالإعدام، ولكن الطبيب دوره مساعدة الناس
على التعافي من أمرضهم واكتساب الصحة والحفاظ على عليها.
الرؤية الإيمانية ترى في المرض نوعًا من الابتلاء والتمحيص وتكفير
الذنوب، وتلك مقولات لا تهتم بها المادية النفعية البحتة.
موضوعات ذات صلة: