الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : علوم القرآن والحديث
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
742 - رقم الاستشارة : 3595
16/12/2025
نسمع كثيرا عن الإعجاز التشريعي، فما المقصود منه، وما أهميته في العصر الحاضر؟ وخاصة في دعوة غير المسلمين للإسلام
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فالإعجاز التشريعي هو إثبات أن الأحكام والقوانين (التشريعات) التي جاء بها القرآن الكريم والسنة النبوية، في كل مجالات الحياة (الأسرة، المال، الجنايات، العلاقات الدولية وغيرها)، هي تشريعات معجزة تفوق قدرة البشر على الإتيان بمثلها في عدالتها وشمولها وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
وهذا النوع من الإعجاز لم يأخذ حقه من الشرح والتوضيح والإعلام والتعريف كما تكلم الناس عن الإعجاز العددي، أو الإعجاز العلمي، أو الإعجاز البلاغي والبياني، ولو أحسن المسلمون تقديمه لغير المسلمين والتدليل على أنه حل نافع لكل المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها لكان محفزًا ودافعًا لهم للتعرف على الإسلام وتعاليم الإسلام.
تجليات الإعجاز التشريعي
وهذا الإعجاز يتجلى في عدة جوانب منها:
أولا: الكمال والشمول: جاء الإسلام بمنظومة تشريعية كاملة تنظم علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبأسرته، وبمجتمعه، وبالدولة، وبالعالم كله، بل وحتى بالبيئة من حوله. هذا الشمول المذهل لم تستطع أي نظرية وضعية أو قانون بشري أن يحققه.
وهذا الشمول من أركان الإسلام وليس من فروعه، فيجب على المسلم أن يؤمن به، ويعمل ما استطاع، ويدعو الناس إليه، يقول الله تعالى: ﴿...أَلاَ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].
ثانيًا: العدل المطلق: التشريع الإسلامي يحقق التوازن والعدل بين كل الأطراف. فهو يوازن بين حق الفرد وحق الجماعة، وبين متطلبات الروح ومتطلبات الجسد، وبين حقوق الرجل وحقوق المرأة، وبين مصلحة الحاكم ومصلحة المحكوم.
ومصدر هذا العدل هو الله سبحانه، الذي لا يميل مع هوى ولا يتأثر بمصلحة فئة على حساب أخرى. انظر إلى تحريم الربا الذي يحمي الفقير، وتشريع الميراث الذي يوزع الثروة بعدل، وتشريع القصاص الذي يحفظ حياة المجتمع.
ثالثًا: السبق التاريخي: جاء النبي محمد ﷺ، وهو النبي الأمي، في بيئة صحراوية بسيطة، بتشريعات سبقت كل القوانين الحديثة بقرون طويلة في مجالات لم تكن البشرية تعرفها، مثال: نظام الميراث الدقيق والمفصل في سورة النساء، والذي يضمن حق المرأة والطفل والضعيف، جاء في وقت كانت المرأة فيه تورَث ولا ترِث! قال تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ (النساء: 7).
رابعًا: الصلاحية لكل زمان ومكان: التشريعات الإسلامية مبنية على أصول ثابتة (كليات الشريعة) وقواعد مرنة. الأصول كحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال لا تتغير. أما الفروع، فقد ترك الإسلام مساحة للاجتهاد والتطبيق بما يناسب تغير الأعراف والأزمان، وهذا سر صلاحيته الأبدية.
أهميته الإعجاز التشريعي في العصر الحاضر
أهمية هذا الوجه من الإعجاز تظهر بشكل جليّ اليوم أكثر من أي وقت مضى. نحن نعيش في عالم يموج بالنظريات والقوانين البشرية التي أثبتت فشلها وعجزها. وهنا يأتي دور الإعجاز التشريعي ليكون:
1. دليلاً على صدق النبوة ومصدر القرآن الإلهي: عندما يرى المسلم وغير المسلم كيف أن التشريعات التي جاء بها النبي ﷺ قبل 1400 عام تحل مشاكل اليوم المستعصية، يوقن أن هذا التشريع ليس من صنع بشر، بل هو وحي من حكيم خبير. قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14). فكما أن الخلق دليل على الخالق، فإن التشريع الكامل دليل على علم المشرّع سبحانه.
2. مصدر ثقة وعزّة للمسلم: في زمن الهزيمة النفسية والانبهار بالغرب، يذكّرنا الإعجاز التشريعي بأننا نملك كنزًا ومنهج حياة متكاملاً. لا نحتاج لاستيراد حلول لمشاكلنا من أنظمة ثبت فشلها. مشاكل الأسرة والتفكك، والأزمات الاقتصادية القائمة على الربا، والجريمة المتفشية... كل هذا له حل في شريعتنا. هذا يعيد للمسلم ثقته بدينه واعتزازه بهويته.
3. وسيلة دعوة قوية لغير المسلمين: كثير من العقلاء والمنصفين في الغرب يبحثون عن حلول لأزمات مجتمعاتهم. عندما نعرض عليهم تشريعات الإسلام في الاقتصاد (الخالي من الربا)، وفي الأسرة (القائم على المودة والمسؤولية)، وفي العدالة الاجتماعية (من خلال الزكاة والصدقات)، فإننا نقدم لهم برهانًا عمليًّا على عظمة هذا الدين. إنه خطاب يخاطب العقل والواقع.
4. حصن منيع ضد الشبهات: كثير من الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام تدور حول التشريعات (كالحدود، والميراث، وتعدد الزوجات). فهم الإعجاز التشريعي وحكمته ومقاصده هو السلاح الذي نواجه به هذه الشبهات، ونحولها من نقاط ضعف مزعومة إلى براهين قوة ودلائل عظمة.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: