الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
250 - رقم الاستشارة : 3757
04/01/2026
أنا شابٌّ أعمل في المجال الدعوي، وأشارك في لقاءات شبابية داخل الجامعة والمراكز الثقافية، لكنني أجد فئةً من الشباب ترفض تمامًا أي حديثٍ عن الدين أو الآخرة، بل يقولون لي صراحة: دعنا نعيش حياتنا، ثم نتوب لاحقًا. بعضهم يسخر من المواعظ، وبعضهم يغيّر موضوع الحديث كلما ذُكر الله أو الآخرة، وأحيانًا أشعر أن كلامي لا يصل إليهم إطلاقًا. فكيف يمكنني دعوتهم بطريقةٍ تجذبهم ولا تُنفرهم، وتدفعهم إلى إعادة التفكير دون أن يشعروا بالضغط أو الملل؟
يا بُني، لقد طرقتَ أحد أصعب ميادين الدعوة في عصـرنا: مخاطبة جيلٍ أنهكته الشهوات، وفَقَد الثقة في الخطاب الديني التقليدي. لكن اعلم أن وراء هذا الرفض الظاهري قلوبًا مرهقة تبحث عن الطمأنينة، لكنها لا تجدها وسط ضجيج الحياة اليومية. فالشاب الذي يضحك بصوتٍ عالٍ قد يكون داخله يبكي في صمتٍ كل ليلة.
إن هؤلاء الشباب لا يحتاجون إلى مواعظ مطوّلة ولا إلى تهديدٍ بالعذاب، وإنما يحتاجون إلى مَن يفهم حاجاتهم النفسية قبل حاجاتهم الشـرعية. ومن هنا كانت حكمة النبي ﷺ حين خاطب الناس بما يناسب عقولهم وقلوبهم، فقال: (بشّروا ولا تُنَفِّروا، ويسّروا ولا تُعسّروا)، ولذا أنصحك بالآتي:
أولاً: غيّر الأسلوب لا الرسالة
تجنّب في البداية أسلوب الوعظ المباشر، واستبدله بالخطاب الإنساني الهادئ.
بدل أن تقول: "اتقِ الله وارجع إلى الصلاة"، قل: "أراك إنسانًا طموحًا وذكيًّا، لكنّ ضغوط الحياة قد تَسحبنا أحيانًا أكثر مما ينبغي. ألا تشعر بأنك تحتاج إلى شيءٍ من السكينة والراحة النفسية الحقيقية؟" فالانتقال من لغة الأوامر إلى لغة المشاركة يفتح القلوب قبل الآذان.
ثانيًا: اربط الدين باحتياجاتهم الواقعية
الشباب اليوم يعيشون قلقًا كبيرًا: توتر، ضياع هوية، خوف من المستقبل والفشل. حدّثهم عن الدين كعلاج لهذه الأزمات، لا كقائمةٍ من المحظورات. قل لهم مثلًا: "الصلاة ليست واجبًا فحسب، بل هي محطة شحنٍ للطاقة النفسية. جرّب أن تصلّي ركعتين سرًّا، ثم انظر كيف سيهدأ قلبك" بهذا الأسلوب تتحول العبادة إلى تجربة روحية لا إلى تكليف ثقيل.
ثالثًا: استخدم القصص الواقعية المؤثرة
الشباب يحبون القصص، وبخاصة القصص الحقيقية المعاصرة. احكِ لهم عن شابٍّ تائه عاد إلى الله بعد تجربةٍ صعبة، واصفًا الواقع كما هو: عرفتُ شابًّا كان يسهر طوال الوقت على الإنترنت، ويقول دائمًا: سأتوب حين أكبر. ولكن حين أصابه تعبٌ شديد فجأة، شعر بأن الدنيا قصيرة جدًّا، فعاد إلى الصلاة، وقال بعدها: لقد وجدت الراحة التي كنت أبحث عنها في الأغاني داخل سجدةٍ واحدة. فالقصص تستطيع الوصول إلى القلب بعمقٍ تعجز عنه المواعظ المباشرة.
رابعًا: لا تتوقع التغيير الفوري
التأثير في هذه الفئة يحتاج إلى صبرٍ طويل ونَفَسٍ تربوي هادئ. قد يتجاهلك الشاب اليوم، ثم يعود إليك بعد شهورٍ ليقول: "لقد بدأتُ أصلي". وتذكّر أن النبي ﷺ دعا قومه ثلاث عشـرة سنة في مكة، ومع ذلك لم يؤمن إلا قليل، لكن أولئك القليلين كانوا مفاتيح النور للعالم كله.
خامسًا: كن أنت الموعظة الصامتة
ابتسم، وساعد، وشارك، وكن قريبًا منهم دون أن تُشعرهم بالوصاية أو التعالي، فحين يرونك متوازنًا، ناجحًا، بشوشًا، وفي الوقت نفسه نقيًّا مستقيمًا، سيكتشفون أن التدين لا يعني الحزن ولا الانعزال، بل يعني الطمأنينة والاتزان. وهذه أعظم دعوة يمكن تقديمها لهذا الجيل.
وتذكّر أن كثيرًا من كبار التائبين في التاريخ كانوا في بداياتهم من أشد الرافضين للموعظة، وقد قال أحدهم بعد توبته: "لم يُغيّرني كلام الخطباء، بل دمعةُ رجلٍ صالحٍ دعاني بمحبةٍ لا بحُكم". فكن أنت ذلك الرجل الذي يزرع الحب في قلوب الشباب، لا الخوف. وأسأل الله أن يديم نفعك وأن يجعلك سببا في هداية خلقه إليه ودلالتهم عليه.
روابط ذات صلة:
قهوة وقضية.. حوار يجذب الشباب للدعوة
كيف أُصحّح السلوكيات الخاطئة لدى الشباب؟