كيف عالج الفكر الإسلامي آفة التسويف؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 588
  • رقم الاستشارة : 3638
22/12/2025

التسويف آفة تصيب الدين والدنيا، وإذا كانت التجربة الغربية حاولت فهم التسويف وعلاجه وفقًا لرؤيتها الفلسفية.. فكيف نظر الفكر الإسلامي إلى التسويف وكيف عالجه؟

الإجابة 22/12/2025

أخي الكريم، التسويف من الآفات التي سعى الإسلام لنزعها من تصورات وسلوكيات الفرد والمجتمع المسلم؛ فالتحذيرات واضحة من انتهاج هذا المسلك المُضر بالدين والدنيا معًا، فالتسويف يعني فقدان الإحساس بأهمية الزمن، فالشيء إذا جاء متأخرًا عن زمانه، فقد جزءًا كبيرًا من أهميته وقيمته، كما أن التسويف إذا ترسخ في الوعي، فإن المسلم يؤجل فعل الخيرات، بل يؤجل توبته.

 

الإسلام وآفــة التسويف

 

والتسويف هو التأجيل المتعمد والمتكرر للمهام رغم معرفة الشخص بالعواقب، وفي الرؤية الإسلامية فإن أوامر الشرع واضحة، ونصائح الإسلام هادية في إطلاق التحذير من التسويف، فكان الصحابي "ثمامة بن بجاد السلمي" يقول: "أنذرتكم سوف"، فسوف تفتح باب التراخي وفقدان العزيمة، وتورث النفس الوهن، وهو أحد الأسباب الكامنة وراء الكثير من الإخفاقات الدينية والحضارية.

 

ونجد أحد كبار علماء الإسلام ومؤرخيه وهو "الخطيب البغدادي" خصص في كتابه "اقتضاء العلم العمل" بابًا في ذم التسويف، أورد فيه جملة من تحذيرات كبار علماء المسلمين من عقلية التسويف، مثل قول الحسن البصري: "إياك والتسويف؛ فإنك بيومك ولست بغَدِك، فإنْ يكنْ لك غد، فكُنْ في غَدٍ كما كُنتَ في اليوم، وإنْ لم يكن لك غدٌ لم تندمْ على ما فرَّطت في اليوم"، وهي نصيحة مهمة للغاية لا تختلف عما يقدمه خبراء التنمية البشرية المعاصرون.

 

وهناك من تقدم خطوة في ذم التسويف مثل التابعي "قتادة بن أبي الجلد" الذي اعتبر أن التسويف من جند إبليس؛ لأنه يصرف الإنسان عن الخير بطريقة ماكرة، فهو لا ينهاه عن الفعل بصورة مباشرة، ولكن يضعف عزيمته من خلال التسويف.

 

ونجد شخصية مهمة في القرن الثاني الهجري، وهو "يوسف بن أسباط" وأحد كبار الزهاد والوعاظ، يكتب لأحد مريديه نصيحة بترك التسويف، قال فيها: "إياك وتأمير التسويف على نفسك، وتمكينه من قلبك؛ فإنه محل الكلال، وموئل التلف، وبه تُقطَع الآمال، وفيه تنقَطِع الآجال"، والكلال تعني التعب والإرهاق والوهن والضعف.

 

وكان ابن القيم يقول: "إن أكثر أهل النار من المسوفين كرجل احتاج إلى قلع شجرة فرآها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة، فقال: أؤخرها سنة ثم أعود إليها وهو لا يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه".

 

ونجد ابن الجوزي في كتابه الفريد "صيد الخاطر" تعرض لآفة التسويف واعتبرها من فساد العقل، فالتسويف عنده يشبه "الاعتقاد الصحيح، والفعل البطيء"، وأرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب، هي:

 

* رؤية الهوى العاجل: فإن رؤيته تشغله عن التفكر فيما يجنيه التسويف.

 

* التسويف بالتوبة:، فلو حضر العقل لحذر من آفات التأخير، فربما هجم الموت ولم تحصل التوبة، فالهوى يطيل الأمد.

 

* رجاء الرحمة: لذا رأى ابن الجوزي أن الزمان يمضي بالتسويف، وقال: "فالعاقل من أخذ بالحزم في تصوير ما يجوز وقوعه وعمل بمقتضى ذلك. فإن امتد الأجل لم يضره، وإن وقع المخوف كان محترزًا".

 

علم الزمن

 

وفي الفكر الإسلامي الحديث، نجد المفكر مالك بن نبي اعتبر الزمن ركنًا رئيسيًّا في معادلة بناء الحضارة وكانت معادلته (إنسان + تراب + زمن= حضارة)، فالنهوض الحضاري لا يكتمل بدون إعطاء الزمن حقه في عملية النهوض، ولذا اقترح أن المسلمين بحاجة إلى "علم الزمن"، وأن مشكلة المسلمين ليست في نقص الأفكار؛ بل في غياب منطق العمل والحركة، وأن الزمن هو المجال التفاعلي الذي يحدد مصير النشاط البشري، فالزمن هو المجال الذي تُبنى فيه الحضارة، وكان يقول "إن الذي ينقص المسلم ليس منطق الفكرة، ولكن منطق العمل والحركة".

 

هذا المنطق الجاد هو الذي يكافح آفة التسويف، وكان مالك يقول: "الزمن نهر قديم يعبر العالم منذ الأزل، وهو يتدفق على السواء في أرض كل شعب، ومجال كل فرد، بفيض من الساعات اليومية التي لا تغيض، ولكنه في مجالٍ ما يصير ثروة وفي مجال آخر يتحوّل عدمًا".

 

أخي الكريم، ولعلنا نختم بالمقولة الذهبية لمالك بن نبي "وإنها لشرعة السماء: غيّر نفسك تُغير التاريخ"، فغير نفسك بالابتعاد عن التسويف ستغير التاريخ.

 

روابط ذات صلة:

كيف نتغلب على عقلية التسويف؟

لماذا تنشأ عقلية التسويف وكيف نتغلب عليها؟

الرابط المختصر :