الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
24 - رقم الاستشارة : 5068
13/06/2026
التفكير التبريري لماذا يلجأ إليه البعض ولماذا أصبح سمة لجيل الشباب الحالي؟
أخي الكريم، قد لا نبالغ إذا قلنا إن الشباب، في تلك العقود، يواجه عقبات قد تفوق
العقبات التي كان يواجهها الشباب في فترات سابقة، ولعل جزءًا من تلك العقبات أن
التميز، والتميز الشديد هو المطلوب أمام كثافة المعروض من الخبرات في أسواق العمل
والحياة، ورغم ذلك فإن الحقيقة لا تكتمل إلا بالتأكيد على أن الشباب كذلك أمامه
فرص وإمكانات قد تكون أكبر بكثير من الشباب في فترات سابقة.
والحقيقة أن رؤية الشباب للحياة، ونظرتهم إلى ذواتهم
وإمكاناتهم قد تكون هي التي تنسج جزءًا كبيرًا من مستقبلهم وصمودهم وإصرارهم على
تحقيق غاياتهم، لكن هذا السبيل الجاد قد يشغب عليه نوع من التفكير نسميه "التفكير
التبريري"، أي أن الشباب يكون قصارى جهده هو البحث عن مبررات لفشله،
ومبررات لقعوده وتقاعسه.
ما هو التفكير التبريري؟
أخي الكريم، التفكير التبريري هو آلية دفاعية يلجأ إليها الشخص للتغطية على فشله أو تكاسله، والأكثر خطورة أن
يلجأ إليه الشخص لتبرير فشله أمام ذاته وليس أمام الآخرين فقط، والسبب
الكامن وراء ذلك هو سعيه لإسكات صوت ضميره ونقده الذاتي لنفسه،
حتى لا يزعجه تأنيب الضمير، وحتى يحقق نوعًا من الرضا عن نفسه أمام نفسه،
فيحمل أسباب فشله للآخرين أو للظروف المحيطة، وبذلك يُبرئ نفسه من كل فشل وتقصير
وإهمال.
يفسر علم النفس هذا النوع من التفكير بأنه آلية دفاعية يستخدمها
الشخص لتبرير سلوك غير منطقي للحفاظ على تقدير الذات وتقدير الآخرين، ومن ثم فهو
استراتيجية نفسية يبتكرها الشخص لاختراع أسباب منطقية لسلوكه الفاشل وغير الجيد،
دفاعا عن "الأنا".
وقد شرح عالم النفس الشهير "فرويد"
نظريته عن "آليات الدفاع" النفسية عام 1894م، حيث افترض وجود
قوى في العقل البشري تتصارع وتتعارض، وهذا التعارض والتصارع يهدف إلى إعادة
التوازن للنفس وضبط الصراعات الداخلية.
وقد يلعب التبرير دورًا وقائيًّا من الإحباط والاكتئاب والأفكار السوداوية، لكنه
لا يصلح أن يكون سلوكًا دائمًا، فاللجوء إليه يشبه اللجوء إلى الأدوية،
فالأدوية تشكل أكبر خطر على الإنسان إذا استمر على تناولها بعد الشفاء.
يفتح باب الأعذار
التبرير يفتح باب الأعذار على مصراعيه، ولذلك وصف القرآن
هؤلاء الذين يلجؤون إلى التبرير، بأنهم "المعذرون" فقال تعالى: {وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ
وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا
مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (التوبة: 90)
والإعذار إبداء العذر، وهو المعتذر بلا عذر، أي عقلية التبرير.
والأخطر في هذا النوع من التفكير أن يتحول إلى ثقافة مجتمعية تبرر كل فشل وتتنصل من
كل مسؤولية، وتحقق رضا وهميًّا عن النفس لا تستحقه.
وما يقف وراء التبرير -ثقافةً وتفكيرًا- هو روح العجز
والكسل وفقدان العزيمة والإرادة، وخطورة التفكير التبريري أن يتحول إلى عالم
السياسة، إذ تكون نتائجه الكارثية أكبر وأعم على المجتمعات، في كتابه "نظرية
تبرير النظام" لكاتبه البروفيسور الأمريكي "جون جوست"
المختص في علم النفس السياسي والاجتماعي، سعى لبناء نظرية يمكن من خلالها فهم
المواقف الدفاعية للطبقات المقهورة والمطحونة عن الأنظمة التي تسحقها وتستغلها،
فعلى مدار ما يقرب من (25) عامًا من الدراسة والبحث خلص "جوست" إلى ما
أسماه "نظرية التبرير"، ورأى أن بعض الجماهير تلجأ
للتبرير حفاظًا على سلامتها ولتعزيز مفهوم النجاة الفردية والتنصل من أي مسؤولية
للجماهير تجاه الإصلاح السياسي والاجتماعي.
وختاما أخي الكريم، خطورة هذا التفكير على المستوى الاجتماعي والعام هو أنه يُوجد نوعًا من
الشراسة في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، ولذلك نشاهد انتشار العنف بين الشباب
والشراسة في التعامل مع تزايد ثقافة التبرير؛ إذ ينقل هؤلاء الشباب الخشونة والحدة
والشراسة إلى علاقاتهم مع ذويهم وأقربائهم وأصدقائهم، كنوع من التنفيس الخطأ تجاه
الأشخاص غير المسؤولين عن الفشل والإحباط في حياتهم.
موضوعات
ذات صلة:
عقلية السلطعون.. لماذا تكره الخير؟
كيف أستفيد من الطموح لصحتي العقلية والنفسية؟
اللامبالاة.. كيف يرسم العقل مسارات الراحة النفسية؟
هل تغذي الرقمية عقلية القردة في الإنسان؟
كيف نتغلب على عقلية الاستسهال وإيثار الراحة؟