الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
9 - رقم الاستشارة : 4683
27/04/2026
هل ذات الإنسان مسؤولة عن سعادته ومعاناته وعلى ذلك يجب قبل أن ينظر الإنسان إلى الخارج من الضروري أن يبحث عن جذور ذلك في داخله؟
أخي الكريم، يظن البعض أنه بريء مما يعاني منه، وأنه لا مسؤولية عليه فيما يحدث له، وأن القدر كتب عليه كلمته وهو ينفذ تلك المشيئة، وينسى أن الخروج من معاناته وأزماته قد يكون متعلقًا في كثير من الأحيان بذاته، وأن هذا الأمر ينطبق على الفرد وعلى المجتمع.
ونشير هنا إلى الفكرة المبدعة لـ"مالك بن نبي" وهي "القابلية للاستعمار"؛ فالاستعمار لم يكن ليوجد إلا بتوفر عوامل داخلية من ضعف ووهن وفرقة أغرت الخارج باحتلال تلك الأمة، وهو مفهوم طوره المفكر الراحل "علي شريعتي" بصور ساخرة وأسماه "القابلية للاستحمار"، وهو يؤشر لأمة سمحت للآخرين باستغلالها واستنزافها، بعدما فقدت القدرة على التمييز بين المصالح الحقيقية وبين الزيف والخداع.
أنت طوق النجاة لنفسك
أخي الكريم، أنت طوق النجاة الأهم لنفسك، فإذا لم تسعفك نفسك بذلك الطوق فستغرق أو ستتلبسك "القابلية للغرق" دومًا، فإذا نجوت في وقت معين لظروف خارجية، فإن الخلل المتحكم في الذات سيفرض عليك يومًا ذلك المصير؛ لأنك لم ترَ في نفسك القدرة على رسم مسارات نجاحك وسعادتك ونجاتك، يقول الشاعر الصوفي "شمس الدين التبريزي": "طالما لم تُدرك أن جذور معاناتك تنبت في داخلك، وأن خلاصك كذلك يبدأ منك، فستظل تدور في ذات الحلقة، تُعيد الأخطاء ذاتها، وتعيش الألم نفسه، عامًا بعد عام"، وهي مقولة حكيمة للغاية؛ فجذور المعاناة والسعادة تكمن في الذات، ولا بد لك من الغوص في أعماقك حتى تصل إلى تلك المفاتيح وتعرف كيف تفك تلك الشفرة.
يقول علم النفس إن الحدث قد لا يكون السبب الرئيسي في معاناة الإنسان؛ بل قد يكون سوء الإدراك وسوء التقدير النفسي والعقلي هما السبب المباشر في المعاناة وغياب السعادة، وهنا تأتي مسألة الجهل بالذات لتضع عبء مسؤولية السعادة أو المعاناة على الإنسان نفسه.
الجهل بالذات: الجهل لا يعني قلة المعلومات أو انعدامها، بل يعني سوء الفهم وخطأ التصور لطبيعة الواقع ولأنفسنا، وهو معنى أكده القرآن الكريم في استعماله لمفهوم "الجهل" الذي لا يعني نقص المعرفة ولكن سوء الإدراك وخطأ الفهم.
ومن نتائج هذا الجهل الخطأ في إدراك ما هو متعلق بالذات وما هو غير متعلق بها، بمعنى حدوث غفلة عن العوامل الذاتية في المعاناة والنجاح والخلط بينها وبين العوامل الخارجية.
وينتج عن الجهل بالذات، أن البعض قد يلقي بكل التأنيب على نفسه ويحملها ما ليس في طاقتها ووسعها، ويحتقرها ويشعر بالدونية في أعماقه، وهذا طريق يقوده إلى الإحباط والاكتئاب وإلى ما هو أبعد من ذلك، وهناك من يُبرئ نفسه تمامًا ويحول ما هو خارج الذات إلى شماعة يلقي عليها فشله ومعاناته، وهي روح اتكالية يتولد معها الفشل والشقاء وجملة من الأمراض والتشوهات النفسية كالحسد والغير والبغضاء، وتلك الأمراض تُشقي النفس وتعذبها وتحرقها بالألم الذي لا يتوقف.
الثقة المفرطة في الذات: في بعض الأحيان ثقة الإنسان المفرطة في ذاته قد تكون سبب معاناته وشقائه، فهذه الثقة تحول دون قبول الإنسان للنصح، إذ يرى أن ذاته أكبر وأعلى من أن يوجه إليها نقد أو توجيه أو حتى نصيحة مغلفة بكلمات راقية من الاحترام؛ ففي دراسة علمية بعنوان "لا تخبرني المزيد عن نفسي" نشرت في أكتوبر 2025م، ذكرت أن الكثير من الأفراد يسعون للحفاظ على صورة إيجابية عن الذات، وهذا يخلق معضلة لتقبل أية ملاحظات متعلقة بالذات، أو حتى معرفة كيف ينظر إليه الآخرون، رغم أن بعض تلك الملاحظات قد تكون ذات أهمية في تطوير الذات، لكن هذا الشخص يظن أن تلك النصائح تهدد ذاته بصورة قد تبدو مباشرة، ولذلك يرفضها.
تشير الدراسة إلى أن عدم تقبل النصائح، قد يدفع الشخص إلى تجاهل المعلومات عن عمد، وذلك حتى يتجنب الشعور بعدم الارتياح؛ لأن معرفة الذات على حقيقتها قد يشكل أزمة حقيقية للإنسان، يقول الكاتب الإنجليزي الشهير "ألدوس هكسلي": "إذا ظل معظمنا جاهلاً بأنفسنا فذلك لأن معرفة الذات مؤلمة ونفضل ملذات الوهم".
والحقيقة أن إغلاق الأذن والوعي عن الاستماع لتلك النصائح هو أمر شديد الإضرار بالذات، وغالبًا يكون سبب معاناة، وهي حالة تحدث عنها القرآن الكريم عندما تحدث عن المشركين والكافرين الذين كانوا يصمون آذانهم عن سماع الهدي والإيمان لدرجة أنهم كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم ليحولوا دون وصول كلمات الهداية إلى عقولهم، فيقول على لسان نوح عليه السلام عند حديثه عن عناد قومه: {وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا} (سورة نوح: الآية 7).
وختامًا أخي الكريم، حاول أن تتعرف على ذاتك، وأن تكتشف مواطن القوة والضعف فيها، وأن توقن أن جهلك بذاتك هو أكبر مشاكلك، فاجتهد أن ترسم مسار سعادتك، وأن تكون البداية من ذاتك ووجدانك.
موضوعات ذات صلة:
كيف تبني الشخصية النرجسية تصوراتها عن الذات والآخرين؟
كيف نظرت الفلسفة المادية لتطوير الذات؟
هل التدليل الزائد عقبة في بناء الشخصية السوية؟
ما التصورات الخاطئة التي تقف خلف الانتحار؟
لماذا نفتقد السعادة في حياتنا؟