نصائح للتخلص من آفة التبرير

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : قضايا إنسانية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 14
  • رقم الاستشارة : 5078
14/06/2026

أعاني من التبرير لأفعالي وأخطائي.. فكيف أقاوم وأتخلص من هذا النوع من التفكير؟

الإجابة 14/06/2026

أخي الكريم، التخلص من عقلية التبرير، بمثابة التخلص من آفة كبيرة تعيق الإنسان عن العمل وعن تحمل المسؤولية وعن الإنجاز في الحياة؛ فآفة التبرير إذا تخلص منها العقل الإنساني، فإن هذا العقل ينشط ويبادر للقيام بمهامه دون البحث عن "شماعة" يعلق عليها فشله، وكان من نصائح عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إياكم والمعاذير، فإن كثيرًا منها كذب"، وهي نصيحة تحذر من اختلاق الأعذار للتهرب من المسؤولية، فالأعذار تفتح أبواب الكذب على مصراعيها، حتى يستطيع هذا الشخص التنصل من مسؤوليته عن الفشل، فالتبرير دومًا مشبع بالكذب.

 

بعيدًا عن الهروب

 

أخي الكريم، كما تحدثنا في استشارة سابقة بعنوان "لماذا يلجأ الشباب للتفكير التبريري؟" أن التبرير ما هو إلا آلية دفاعية يلجأ إليها الشخص أمام ذاته والآخرين هروبًا من النقد وهروبًا من تحمل المسؤولية عن أخطائه، ومن ثم فإن المدخل للجوء إلى التبرير هو تصور الشخص أن التبرير يخلصه من ألم النقد ووخز الضمير وكذلك يعفيه من تحمل المسؤولية عن فشله وأخطائه، وبالتالي فإن استدعاء روح المسؤولية والشجاعة والواقعية والجدية من الوسائل المهمة لحصار عقلية التبرير، وتجفيف منابع جريانها في العقل والوجدان.

 

وبدلاً من الهروب من تحمل المسؤولية، لا بد من المواجهة الشجاعة مع تلك المسؤولية، ومن النصائح التي يمكن الاستفادة منها لتفادي آفة وعقلية التبرير:

 

* الصدق: تمسك الإنسان بالصدق، وأن يقول الحق ولو على نفسه يغلق أبواب التبرير؛ فروح الصدق تناهض آفة التبرير؛ إذ يجد الشخص نفسه مضطرًا لقول الحقيقة كاملة بلا رتوش ولا تفسير ولا هروب، ومن هنا تبدأ عقلية التبرير في التقلص والانزواء في النفس.

 

تشير دراسات علم النفس إلى أن الإنسان يلجأ إلى الغش والكذب عندما يمتلك القدرة على تبرير سلوكه غير الأخلاقي؛ فالتبرير يعني أن يعالج الشخص المعلومات والمواقف بطريقة تحقق منفعته؛ فالكذب في كثير من الأحيان يكون مرتبطًا في تصور الشخص بأنه يحقق منافع معينة، ولذا فإن الالتزام بالصدق يجب أن يكون نابعًا من دافع أخلاقي قيمي لمقاومة إغراءات التبرير والكذب.

 

* تنمية ثقافة الاعتراف: ونقصد بها أن يعوّد الشخص نفسه على أن يعترف بأخطائه وضعفه وفشله، وألا يدافع عن المواقف الخطأ، وأن يسعى لتجاوز الفشل وليس تبريره، أو غسل اليدين من المسؤولية.

 

ثقافة الاعتراف تتيح مساحة معتبرة لتنمية الذات وتجاوز كبوة الفشل؛ فاعتراف الشخص بمسؤوليته أو دوره في الفشل هو ثقافة صحية ونافعة للمجتمع؛ فالاعتراف في الغالب يحمل معه مسار التصحيح وليس التبرير، ويحمل أجراس التنبيه والإنذار وليس أنغام السكون والاستكانة مع الخطأ.

 

وقد وجدت دراسة نُشرت عام 2022 أن أداء الموظفين الذين يلجؤون بكثرة إلى تبرير الذات يكون أسوأ بنسبة تصل إلى 30% من أداء أولئك الذين يعترفون بأخطائهم. كما أظهرت دراسة أخرى نشرت عام 2023 أن هؤلاء الأفراد أكثر عرضة للإرهاق الوظيفي وأكثر مقاومة للنقد البناء، وهو مزيج يُدمر المسيرة المهنية والعلاقات الشخصية بهدوء.

 

وقد أثنى القرآن الكريم على ثقافة الاعتراف؛ لأنها تمهد الطريق أمام التوبة الصادقة، قال تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (سورة التوبة: 102) وكما يقول العارفون "إنْ اتصفوا بعيوبهم فلقد اعترفوا بذنوبهم".

 

* تنمية الثقة بالذات: إن الخوف أحد الأسباب الكامنة وراء التبرير، ولذا فإن تنمية الثقة بالذات تقلص مساحات الخوف المتعددة في النفس، ومعها تتراجع الرغبة في التبرير؛ فثقافة التبرير تُخفي غياب الشعور بالأمان، واهتزاز الثقة بالنفس، ومن ثم فتنمية الثقة بالنفس وعدم النظر إلى الذات بدونية، من عوامل تماسك الشخصية وشجاعتها للاعتراف بالخطأ أو مسؤوليتها عن موقف معين.

 

وقد وضع عالم النفس الأمريكي الشهير "ألبرت باندورا" المتوفى (2021م) عن نظرية عرفت باسم "الكفاءة الذاتية"، وهي ترى أن الثقة تُبنى على الإتقان الحقيقي والإيمان بأنني "أستطيع التعامل مع هذا التحدي" بفضل الخبرة والجهد، لا بسبب الأعذار.

 

وختامًا أخي الكريم: إن الخروج من فخ التبرير يحتاج إلى قوة نفسية وأخلاقية كبيرة لمقاومة سلسلة أخلاقيات فاسدة تستدعيها ثقافة التبرير وفي مقدمتها الكذب، كذلك يحتاج أن يتعب الشخص على نفسه لتنمية قدراته والخرج من قيود قلة الحيلة والضعف وقلة الخبرة نحو بناء قوة ذاتية ذات كفاءة.

 

موضوعات ذات صلة:

كيف أتقبل النقد لأفكاري؟

كيف نظرت الفلسفة المادية لتطوير الذات؟

هل التدليل الزائد عقبة في بناء الشخصية السوية؟

كيف أستفيد من الطموح لصحتي العقلية والنفسية؟

كيف نتغلب على عقلية الاستسهال وإيثار الراحة؟

لماذا انتشرت عقلية الاستسهال بين الشباب؟ 

الرابط المختصر :