<p>ذكر النبي صلى الله عليه وسلم المبطون والغريق والحريق في عداد الشهداء فهل هذه الأصناف على سبيل المثال أم على سبيل الحصر؟ وهل يدخل مريض السرطان وغيره من الأمراض المؤلمة تحت هذا الحديث؟</p>
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فهذه الأصناف المذكورة في الأحاديث هي على سبيل المثال، وليست على سبيل الحصر. والدليل على ذلك أن النبي ﷺ ذكر في أحاديث صحيحة أخرى أصنافًا غيرها، مما يدل على أن الباب مفتوح، وأن هذه مجرد أمثلة لأشهر من ينالون هذا الفضل العظيم.
وقد ظهرت أمراض في عصرنا الحاضر هي أشد ألمًا، وأكبر خطرًا مما ذكره المعصوم ﷺ مثل السرطانات المتعددة ومرض فقد المناعة وغيره من الأمراض، وبالتالي نرى أن هذه الأمراض المذكورة في الحديث هي على سبيل المثال، وليست على سبيل الحصر.
ونؤكد على أن أعلى الأنواع أجرًا هو من قُتل في سبيل، على يد الأعداء بسبب دفاعه عن دينه ونفسه وعرضه وماله، لكن رحمة الله أوسع، وفضله أعظم.
مراتب الشهداء
والعلماء يقسمون الشهداء إلى ثلاث مراتب رئيسية:
أولا: شهيد الدنيا والآخرة (شهيد المعركة): وهو المسلم الذي يُقتل في معركة ضد أعداء الدين لتكون كلمة الله هي العليا. هذا هو أعلى مراتب الشهداء. وله أحكام فقهية خاصة في الدنيا (لا يُغسّل، ولا يُكفّن في كفن جديد بل في ثيابه التي قُتل فيها، ويُصلى عليه عند جمهور الفقهاء ثم يُدفن). وفي الآخرة له أجر الشهيد الكامل المنصوص عليه في القرآن والسنة.
ثانيًا: شهيد الآخرة فقط: وهو موضوع السؤال، هو المسلم الذي يموت بسبب معين من الأسباب التي نص عليها الشارع، ولم يكن في معركة، وهذا يُعامل في الدنيا معاملة الميت العادي (يُغسّل، يُكفّن، يُصلى عليه، ويُدفن كغيره من الموتى). ولكنه في الآخرة يُرجى له ثواب الشهداء وأجرهم عند الله، وإن كان أجره دون أجر شهيد المعركة.
ثالثًا: شهيد الدنيا فقط: وهو من قُتل في المعركة وكان يقاتل لغير وجه الله (لرياء أو عصبية أو غنيمة). هذا يُعامل في الدنيا كشهيد (لا يغسل)، ولكن في الآخرة ليس له أجر الشهداء لأنه أشرك في نيته.
أصناف كثيرة للشهداء
هل الأصناف المذكورة في السنة الحصر أم على سبيل المثال؟
وردت في السنة النبوية عدة أحاديث تذكر أصنافًا من شهداء الآخرة، ولو جمعناها لوجدنا أنها ليست محصورة في عدد معين.
الحديث الأساس هو ما راوه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (متفق عليه).
1- المطعون: من مات بمرض الطاعون، صابرًا محتسبًا.
2- المبطون: من مات بمرض في بطنه (كالإسهال، الاستسقاء، أو أمراض البطن القاتلة عمومًا).
3- الغَرِق: من مات غرقًا في الماء.
4- صاحب الهدم: من مات تحت الهدم (كانهيار بناء أو جدار عليه).
5- الشهيد في سبيل الله: وهو شهيد المعركة.
وهناك أحاديث أخرى تضيف أصنافًا جديدة؛ ففي روايات وأحاديث صحيحة أخرى، أضاف النبي ﷺ أصنافًا أخرى، منها:
1. صاحب الحريق: من مات محترقًا بالنار.
2. صاحب ذات الجنب: من مات بمرض "ذات الجنب"، وهو ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأضلاع (وهو الآن يشمل أمراض الرئة والالتهاب الرئوي الحاد).
3. المرأة تموت بجُمْع: وهي المرأة التي تموت وفي بطنها ولد، أي تموت وهي حامل، أو تموت أثناء الولادة أو بسببها في النفاس.
4. من قُتل دون ماله: من قُتل وهو يدافع عن ماله من السرقة أو الغصب.
5. من قُتل دون دينه: من قُتل وهو يدافع عن دينه.
6. من قُتل دون دمه (نفسه): من قُتل وهو يدافع عن نفسه من اعتداء غيره، سواء أكان المعتدي كافرًا أو مسلمًا باغيًا.
7. من قُتل دون أهله: من قُتل وهو يدافع عن عرضه وأهله.
والدليل على هذه الأنواع الأربعة الأخيرة قول النبي ﷺ: "مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ" (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح).
الحكمة من تعدد هذه الأصناف
إن تعدد هذه الأصناف يدل على سعة رحمة الله وفضله، وأن الشهادة ليست مقصورة على الموت في ساحة القتال فقط. والحكمة من ذلك أن هؤلاء الموتى يشتركون في صفة شدة الألم والكرب عند الموت، فكافأهم الله على صبرهم ومعاناتهم بأن أنزلهم منزلة الشهداء أجرًا وثوابًا، وإن لم يبلغوا درجة شهيد المعركة. وقد جمع بعض العلماء هذه الأصناف فبلغت العشرين، وبعضهم أوصلها إلى أكثر من ذلك، مما يؤكد أنها وردت على سبيل المثال والتعداد لبعض أنواع الميتات الشديدة، وليست على سبيل الحصر.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: