كيف تتعامل عقولنا مع صدمات الحرب؟ هل تختزنها أم تنهار وهل الحرب تشكل صدمة نفسية وفكرية؟
أخي
الكريم، للحرب صدمتها التي تصيب الكثير من الناس، فمع دوي الانفجارات وأزيز
الطائرات والصواريخ، يكون الناس في حالة اضطراب، خاصة أن بعض تلك الانفجارات قد
تحدث والناس نيام، أو تسقط على منازلهم دون أي إنذار، فيظل الإنسان مترقبًا متخوفًا
قلقًا، يصاب بالهلع مع كل صوت عال، ولا شك أن تلك الحالة ترهق العقل والنفس.
أزمات
الحرب النفسية
الحرب
أزمة نفسية عميقة، وذكرياتها الأليمة لا تزول من الذاكرة إلا نادرًا؛ فالإنسان قبل
الحرب يختلف عن الإنسان بعدها، تشير دراسات نفسية إلى أنه في السنوات من
(2015 حتى 2025) عانى حوالي 10% ممن عاشوا في ظل حرب أو أي شكل من أشكال النزاع
المسلح، من مرض عقلي متوسط أو حاد، وأن ما يقرب من (22%) عانوا من اضطرابات ما بعد
الصدمة في مناطق النزاعات، ويعاني (10%) من إعاقات سلوكية تؤثر على أدائهم اليومي
في الحياة.
وفي دراسة ميدانية نُشرت قبل عقدين عن تأثير الحرب على الأطفال، أن الحرب تؤثر
على الأطفال بصورة تماثل تأثيرها على الكبار والبالغين، وربما يكون تأثيرها على
الأطفال أكبر لانقطاع روابطهم العاطفية أثناء الحرب والأزمات؛ بل إن الحرب تؤثر
على مسار حياة الطفل بالكامل.
من
آثار الحرب وجود حالة يطلق عليها "التبلد العاطفي" وهي آلية دفاعية
لمواجهة الضغوط، لكنها تتحول لحالة مرضية يفقد فيها الشخص الشعور والإحساس
والتفاعل مع الأحداث حوله.
كيف
نحافظ على صحتنا النفسية والعقلية في زمن الحرب؟
الحفاظ
على حالة من الاستقرار والصحة النفسية والعقلية أثناء الحرب أو بعدها، يتطلب تغيير
بعض تصوراتنا عن الحياة والموت، من خلال يقينيات الإيمان؛
فالإيمان هو الدرع الحصين من تلك الأمراض؛ فاليقين بأن الموت بيد الله وحده،
ومرتبط بإرادة الخالق سبحانه وتعالى يملأ النفس طمأنينة بأن "الأجل يحمي
الإنسان"، بمعنى أنه إذا لم يقدر الله للإنسان أن يموت في تلك الأزمة فلن
يموت مهما تحققت أسباب الموت، ومن ثم فبرد هذا اليقين يطفئ لهيب الخوف في النفس، ويخفف
ضغط القلق عن العقل، ليمنحه فرصة للتعافي والقوة، وليس الانهيار، ويخفف من مشاعر
القلق والتوتر.
وقد
أُجريت دراسة ميدانية على تأثير التدين على صدمات ما بعد الحرب في دولة
"سريلانكا" التي شهدت نزاعًا عرقيًّا قُتل فيه الآلاف من الأشخاص، وخلّف
الصراع أزمات نفسية كبيرة، كشفت الدراسة أن الممارسات الدينية (البوذية الديانة المنتشرة هناك) لها تأثيرات إيجابية على الصحة النفسية خاصة اضطرابات ما
بعد الصدمات؛ إذ شكّل الدين وسيلة مهمة للتكيف النفسي بعد التعرض لمثل هذه
الصدمات، وأن هناك ارتباطًا بين ضعف التدين وزيادة اللجوء إلى خدمات الصحة العقلية؛
لأن الدين يضفي معنى على تلك الضغوط، وأن 80% من الأفراد الذين تعرضوا لصدمات
نفسية لجأوا للدين لإضفاء معنى على تجاربهم السلبية؛ ما أدى إلى تحسن صحتهم
النفسية.
وفي دراسة أخرى عن تأثير الجوانب الروحية للتكيف
مع صدمات ما بعد الحرب في دولة إفريقية هي "زيمبابوي" إبان حرب التحرير
ما بين عامي 1966 وعام 1979م أكدت دور الروحانيات والإيمان بالله، والثقافة
الأفريقية في التغلب على المخاوف التي خلّفتها الحرب.
وفي دراسة ثالثة عن تأثير صدمات ما بعد الحرب على
قدامى المحاربين الأمريكيين في العراق وأفغانستان، خلصت الدراسة إلى دور الدين في
الحماية وتخفيف صدامات الحرب والحفاظ على الصحة النفسية، وقالت الدراسة: "ثبت
أن التدين والروحانية موارد مهمة وشائعة الاستخدام للأشخاص الذين يتعاملون مع
مجموعة متنوعة من التجارب المجهدة والصادمة، بما في ذلك الأمراض الخطيرة"؛
فالتدين يلعب دورًا في تخفيف حدة التوتر أو تعديله".
وفي دراسة أخرى أشارت إلى أن الحروب تفتح بابًا للجوء
إلى الله، وقالت دراسة بعنوان "الحرب تزيد التدين" نشرت عام 2019
بعد استقصاء معلومات وبيانات من عدة صراعات في دول مختلفة، إنه "لا يوجد
ملحدون في الخنادق" على اعتبار أن تأثير الدين يمتد إلى أبعد من خطوط المواجهة.
وأخيرًا أخي الكريم، الحرب أزمة كبيرة؛ أزمة تهدد الحياة والعلاقات الإنسانية، والجوانب
الاقتصادية والتعليمية، فهي أزمة شاملة، وتحتاج إلى قوة نفسية وعقلية لمواجهتها من
خلال تصور إيماني يقاوم ضغوط الحرب وتأثيراتها السلبية والمدمرة في كثير من
الأحيان.
موضوعات ذات صلة:
كيف نتعامل مع الشائعات في زمن الحروب والأزمات؟
ما الحد الفاصل بين التعاطف الإنساني وموالاة الأعداء؟
كيف نحافظ على سلامة نفوسنا في زمن الحرب؟
ما الحكمة الإلهية في الحرب الدائرة؟ وما موقف المسلم منها؟