الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : الحدود والجنايات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 6015
04/10/2026
ما حكم نكول الترجمان أو خطئه في نقل الشهادات أمام القضاء، وهل يتحمل تبعات الحكم الباطل المترتب على ترجمته؟ وما يشترط في المترجم من العدالة والأمانة للتصدي للترجمة الدينية والقضائية؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، القضاء
مبناه على التحري وتحقيق العدالة وإيصال الحقوق لأهلها، ولما كانت اللغات تختلف
وتتعدد بين الخصوم والشهود، فقد صار "المترجم" لسان القاضي والخصوم،
وواسطة نقل الحقائق إليهم، مما يجعله في موقع خطير ومسؤولية جسيمة تتعلق بها دماء
وأعراض وأموال وحقوق، فضلاً عن أهمية البلاغ الصحيح.
اختصارًا:
امتناع
المترجم عن الترجمة الواجبة دون عذر شرعي، أو تعمده الكذب والخطأ في نقل الشهادات
أمام القضاء أو عند البلاغ الديني يعد خيانة للأمانة، ويتحمل المترجم المتعمد
تبعات الحكم الباطل وآثاره، بل ويضمن ما أتلفه بخطئه وعمده، أما الخطأ غير المتعمد
فيضمن التلف دون الإثم الجنائي أو الشرعي. ويشترط في كل من المترجم القضائي
والديني شروط مشددة من أبرزها: العدالة، والضبط، والأمانة، والإسلام والنزاهة
التامة لضمان صحة الأحكام وعدم تحريف النصوص.
وتفصيلاً:
1.
حكم امتناع المترجم عن الترجمة، أو خطئه في نقل الشهادات أمام القضاء:
امتناع
المترجم بلا عذر: إذا تعين المترجم لعدم وجود غيره ونكل عن أداء الواجب
المؤدي إلى إضاعة الحقوق، فإنه يأثم لقوله تعالى: {وَلَا تَكتموا الشَّهَادَةَ
وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283]، وتنزيل ذلك على
المترجم بسبب كتمان الواجب وإضاعة الحق.
خطأ
المترجم أو تعمده الكذب: ذهب جمهور فقهاء الحنفية والشافعية
والحنابلة إلى أن المترجم مؤتمن، وقوله في الترجمة مقبول إذا توافرت فيه الشروط،
فإن تعمد الكذب أو التغيير في الشهادة، فحكمه حكم شهادة الزور المحرمة شرعًا، وهو
ملزم بالضمان لما يترتب على ترجمته من إتلاف أموال أو إزهاق نفوس.
تحمل
تبعات الحكم الباطل: إذا أخطأ المترجم خطأً ناشئًا عن تفريط
أو تعمد، فإنه يضمن المسؤولية الشرعية والمالية معا، ويأثم إثمًا عظيمًا إذا تعمد
الكذب، ونص الفقهاء على أن من تسبب في حكم باطل بجهل مطبق أو تقصير مخل أو كذب
متعمد، يلزمه الغرم والتعويض، وتحمل الوزر أمام الله عز وجل.
2.
شروط العدالة والأمانة والكفاية للتصدي للترجمة الدينية والقضائية:
الإسلام
والعدالة: اشترط جمهور الفقهاء في المترجم القضائي ما يشترط في الشاهد من الإسلام والعدالة
والضبط؛ لأن المترجم في حكم الشاهد بل هو ناقل لقول الغير. قال الإمام الماوردي في
الأحكام السلطانية: "ويشترط في الترجمان ما يشترط في الشاهد من العدالة
والضبط والعلم باللسانين لئلا يقع التحريف".
الضبط
والخبرة اللسانية: يُشترط فيه التيقظ والتمام في معرفة لغة
الأصل ولغة النقل، واجتناب الغفلة والسهو؛ لأن الترجمة الدينية والشرعية محرم فيها
التأويل الفاسد أو التحريف غير المبرر.
النزاهة
والبعد عن التهمة: ألا يكون خصماً لأحد الطرفين، ولا متهماً
بالهوى أو القرابة التي تجر نفعاً أو تدفع ضراً، وقد روى الإمام مالك في الموطأ،
وأبو داود في المراسيل من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف أن النبي ﷺ بعث مناديًا:
(أنها لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين). والمترجم شاهد في معناه.
القواعد
الفقهية الحاكمة في تحمل أخطاء الترجمة القضائية والدينية:
"المباشر
ضامن، والمتسبب ضامن إن وجد تعد أو تفريط"، وهي
القاعدة الحاكمة في تحميل المترجم تبعات الخطأ المترتب على تقصيره أو تعمده.
"الجرح
باق حتى يتبين التعديل" وتُطبق على من ثبت عليه الكذب أو الخيانة
في الترجمة، حيث تسقط عدالته ولا يُقبل له قول بعد ذلك.
"الخراج
بالضمان" وباعتبار أن المترجم يتقاضى أجرًا أو يتقلد منصبًا،
فإن التبعة المالية والمسؤولية تقع عليه لقاء ما يقوم به من عمل.
"درء
المفاسد مقدم على جلب المنافع"، وهي الأصل في
تشديد شروط الترجمة الدينية والقضائية لدرء مفسدة تحريف الأحكام ووقوع الباطل. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
كيف أتجاوز حاجز اللغة في تعليم المهتدين الجدد غير الناطقين بالعربية؟