أمها تدعو عليها وتؤذيها.. كيف تجمع بين البر والوقاية؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الأخلاق والمعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 84
  • رقم الاستشارة : 5002
07/06/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أحتاج إلى استشارة شرعية ونفسية في أمر يؤلمني منذ سنوات. عندما كنت في المرحلة الثانوية، كانت والدتي حاملًا، وطلبت مني مساعدتها في إعداد الخبز، لكنني كنت منهمكة في الدراسة ومتعبة ولم أستطع مساعدتها في ذلك الوقت. غضبت مني ودعت عليّ. وبعد فترة فقدت الجنين الذي كانت تحمله.

مرت السنوات، وبعد نحو 15 عامًا حملت أنا أيضًا، لكنني تعرضت لصدمة كبيرة بوفاة طفلي في بطني. وعندما حدث ذلك قالت لي والدتي إن ما أصابني بسبب الدعاء الذي دعت به عليّ في ذلك الوقت، وإن دعاءها ما زال واقعًا عليَّ.

كلامها جرحني بشدة، ليس فقط بسبب فقدان طفلي الذي كسر قلبي، بل لأنني شعرت بأن أمي تربط مصيبتي بدعائها عليّ.

والحقيقة أن والدتي كثيرًا ما تدعو عليّ بكلمات مؤذية، رغم أنني أحاول برها وخدمتها قدر استطاعتي.

اليوم أشعر أن مشاعري تجاهها قد انطفأت، فلا أحمل لها حبًّا ولا كرهًا، وإنما رغبة في الابتعاد حفاظًا على نفسي من الأذى النفسي المتكرر.

لذلك أود أن أسأل: هل إذا قللت علاقتي بوالدتي إلى الحد الأدنى أو ابتعدت عنها بسبب ما تسببه لي من أذى نفسي متكرر أكون عاقة لها؟

وكيف يمكنني الموازنة بين بر الوالدة وحماية نفسي من الكلمات والدعوات الجارحة التي تؤثر فيّ بشدة؟

جزاكم الله خيرًا.

الإجابة 07/06/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ومرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، ومشاركتنا هذا الألم الممتد في قلبك منذ سنوات. أسأل الله أن يربط على قلبك برباط الصبر والسكينة، وأن يعوضك عن فقد طفلك خيرًا، وأن يجعله لك فرطًا وسلفًا وذُخرًا وشافعًا يوم القيامة، وأن يقر عينك بذرية صالحة طيبة تسر خاطرك، ويصرف عنك كل سوء وضيق، وبعد...

 

فإن ما مررتِ به من فقد لفلذة كبدك هو مصاب جلل ينفطر له الفؤاد، ولكن أن يُضاف إلى هذا الفقد شعور بالذنب، وجرح غائر يأتي من أقرب الناس إليك -وهي والدتك- فهذا ثقل نفسي شديد لا يتحمله إلا المؤمنون أولو العزم والصبر. وشريعتنا جاءت ميزانًا للعدل والرحمة، والقرآن والسنة مليئان بالبشارات لمن أُصيب وصبر.

 

علاقة موت الجنين بدعاء الأم

 

يجب أن يرسخ في قلبك أن الآجال والأعمار بيد الله وحده، وقد كتب الله رزق هذا الجنين وأجله وهو في بطنك بناءً على مقادير الله السابقة لخلق السماوات والأرض. يقول الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا كلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49].

 

أما تأكيد والدتك أن دعاءها القديم هو السبب فيما جرى لجنينك، فهو رجم بالغيب، وتقوُّل على الله بلا علم، فربما يكون كذلك، وربما لا.

 

نعم، لقد حذر النبي ﷺ الوالدين من الدعاء على أولادهم؛ خوفًا من أن يوافق ذلك ساعة إجابة، فقال ﷺ: «لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبَ لَكمْ» [رواه مسلم]، ولكن العلماء بيَّنوا أن الله -سبحانه وتعالى- بفضله، ورحمته، وعدله، لا يستجيب دعاء الوالد على ولده إذا كان بغير حق، أو كان ناتجًا عن غضب طارئ لأمر دنيوي تافه (مثل انشغالك بالدراسة وعدم قدرتك على الخَبز).

 

والدليل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: 11]، وقد فسَّر ابن عباس -رضي الله عنهما- هذه الآية بأنها نزلت في الرجل يدعو على ولده وهو غضبان بما لا يحب، فلو استجاب الله -تبارك وتعالى- له لأهلكه، ولكن الله لا يستجيب له بفضله ورحمته.

 

إن الله هو العدل، فكيف يعاقب طفلًا بريئًا بالموت، ويعاقب أُمًّا صالحة تحاول البر، لمجرد أن الجدة غضبت قبل سنوات لأن ابنتها كانت تدرس؟! هذا ظنٌّ لا يليق بالله سبحانه.

 

تحليل سلوك الأم:

 

إن والدتك -عفا الله عنها- عندما فقدت جنينها قبل 15 عامًا، شعرت بصدمة وغضب، وربما بدلًا من التعامل مع مشاعر الفقد بشكل صحي، أسقطت اللوم عليك لتخفف من ألمها الداخلي.

 

والآن، عندما تكرر الموقف معك، استخدمت الأسلوب نفسه لإثبات اعتقادها، وهو سلوك يؤذي بدافع الجهل أو بسبب عقد نفسية متراكمة لديها، ولا علاقة له بالحقيقة الشرعية مطلقًا.

 

هل تحديد العلاقة لتجنب الأذى يُعد عقوقًا؟

 

لا، ليس عقوقًا، إن كان الأذى متيقَّنًا ومتحقِّقًا. فالشريعة التي أمرت ببر الوالدين وعظَّمت شأنهما، هي ذاتها الشريعة التي رفعت الضرر عن الناس، وأرست القاعدة الفقهية العظيمة المستمدة من كلام النبي ﷺ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» [رواه ابن ماجة].

 

وبر الوالدين ليس معناه الاستسلام التام للأذى النفسي والجسدي الحاصل منهما، أو ترك الوالدين يدمران الصحة النفسية للأبناء.

 

الله -تعالى- يقول في شأن الوالدين المشركَين اللذين يجاهدان ابنهما على الشرك (وهو أعظم الذنوب): ﴿وَإِنْ جَاهَدَاك عَلَى أَنْ تُشْرِك بِي مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]. تأملي: (فلا تطعهما) أي في باطلهما وأذاهما، ولكن (صاحبهما في الدنيا معروفًا). والمعروف هنا هو الحد الأدنى الواجب من الصلة: السؤال عن الصحة، والنفقة إن كانت محتاجة، والسلام، وعيادتها إذا مرضت، ومساعدتها في الأمور الضرورية.

 

فإذا كان القرب اللصيق من والدتك يسبب لك ألمًا نفسيًّا، ويجعلك تشعرين بانطفاء المشاعر كما تقولين -وهو بالمناسبة رد فعل دفاعي نفسي طبيعي جدًّا لحماية ذاتك من الانهيار- فإن الابتعاد مع الحفاظ على الصلة بالمعروف يُعد عين الحكمة؛ بل هو وسيلة لحفظ البر؛ لأنك لو بقيت قريبة وتجرعت الأذى، فقد تنفجرين يومًا ما وتصدر منك إساءة فعلية أو لفظية تكون هي العقوق الحقيقي. أما الابتعاد المتزن فهو صيانة لنفسك ولبرك بها.

 

كيف توازنين بين بر والدتك وحماية نفسك؟

 

لتحقيق التوازن الإيجابي بين امتثال أمر الله ببرها، وحماية نفسيتك، إليك هذه الخطوات:

 

1- من البر العاطفي إلى البر الوظيفي:

 

بما أن مشاعرك انطفأت (وهذا أمر لا تؤاخذين عليه شرعًا لأن القلوب بيد الله)، فلا تطالبي نفسك بمشاعر الحب الجارف الحانية. تعاملي مع برها كـ«وظيفة وتكليف شرعي» تؤدينه ابتغاء مرضاة الله فقط. اتصلي بها هاتفيًّا بشكل منتظم (مرة أو مرتين يوميًّا مثلًا)، اسألي عن حالها وصحتها، وتمني لها الخير، دون الدخول في تفاصيل حياتك الشخصية.

 

2- تضييق مساحات الاحتكاك:

 

اجعلي زياراتك لها قصيرة ومحددة الوقت والهدف. لا تجلسي معها ساعات طويلة تسمح بفتح ملفات قديمة أو توجيه انتقادات ودعوات. اذهبي إليها ومعك هدية أو طعام تحبه، واجلسي وقتًا قصيرًا (ساعة مثلًا)، ثم استأذني بلطف متعللة بأي التزام.

 

3- التهيئة النفسية المسبقة:

 

هيئي نفسك قبل لقاء والدتك، على أنها إذا شرعت في توجيه كلمات جارحة لك أو الدعاء عليك، فلن تستقبلي كلماتها باهتمام وضيق؛ بل ضعي بينك وبينها جدارًا ذهنيًّا، بأن تقولي في نفسك فورًا: «هذا كلام مدفوع بطبيعتها النفسية، والله سبحانه عادل لا يرضى بالظلم ولن يستجيب لها». تذكري دائمًا آية: ﴿وَمَا رَبُّك بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46].

 

4- تغيير مجرى الحديث:

 

إذا بدأت والدتك الحديث عن موضوع طفلك أو الدعاء أو أي شيء مما يضايقك ويزعجك، فغيِّري الموضوع فورًا وبذكاء. قولي مثلًا: «يا أمي، الحمد لله على كل حال، ما رأيك في هذا الثوب الذي اشتريته لك؟». وإذا أصرت فاستأذني للمغادرة أو إنهاء المكالمة بحجة وجوب القيام لأمر طارئ.

 

5- الاكتفاء بالتواصل عن بعد عند اشتداد الأذى:

 

إذا كان اللقاء المباشر يسبب لك أذى وضيقًا شديدين، فاكتفي لفترة بالرسائل النصية والاتصالات الهاتفية الموجزة، حتى تستعيدي توازنك النفسي.

 

يُروى عند واحد من السلف أنه كان له أب جاف حاد الطباع، فكان لا يواجهه؛ بل يرسل إليه حاجته ونفقته مع أصحابه، فإذا شفي الأب وسكنت حدته دخل عليه وسلم على رأسه وخرج سريعًا؛ حتى لا يثير حفيظته بأي حركة أو كلمة، فجمع بين أداء الحق وحماية نفسه وصيانة أبيه من الإثم.

 

وختامًا يا ابنتي، إن صبرك على جفاء أمك ومحاولتك برَّها رغم ما حكيته من أفعالها هو جهاد عظيم، وتجارة رابحة مع الله تعالى. وثقي تمامًا بأن طفلك الراحل ينتظرك عند باب الجنة ليأخذ بيدك، وبأن الله سيجبر خاطرك بما ينسيك هذا العناء.

 

فاللهم يا جابر المنكسرين، اربط على قلب أَمَتَك هذه رباطًا يسكن روعها ويشفي صدرها. اللهم أبدل حزنها فرحًا، وفقدها عوضًا صالحًا جميلًا، واجعل جنينها شفيعًا لها يوم نلقاك. اللهم اهدِ قلب والدتها، واشرح صدرها، وكفَّ لسانها عن الأذى والدعاء، واجعل ما تقدمه الابنة من بر في ميزان حسناتها، واصرف عنها وعن بيتها كل هم وغم وضيق، واجمع شملهم على الخير والرحمة. آمين يا رب العالمين.

 

روابط ذات صلة:

أمي تؤذيني نفسيًّا.. هل يجوز لي مقاطعتها؟

أمي كثيرة الدعاء علينا.. ماذا نفعل؟!

دعاء الأم على ابنها وزوجته في جوف الكعبة

 

الرابط المختصر :