الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 4464
01/04/2026
أعمل كمصمم جرافيك بنظام العمل الحر، تعاقدت مع شركة أجنبية لتصميم واجهة تطبيق، واكتشفت لاحقاً أن التطبيق يحتوي على قسم للقمار والمراهنات. هل يجوز لي إكمال العمل واستلام الأجر عن الأجزاء غير المحرمة التي صممتها؟ وكيف أتخلص من المال إذا كان فيه شبهة دون أن أتسبب في فسخ العقد وتغريمي شرطاً جزائياً؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأهلاً بك أخانا المبدع. أتفهم تمامًا هذا الموقف الحرج الذي يضع الإنسان بين مطرقة الالتزام المهني والشرط الجزائي، وسندان الورع والتحري عن الرزق الحلال.
إجمالاً: القاعدة الشرعية تقرر أن "الإعانة على المعصية معصية". وبما أن القمار من الكبائر المحرمة بنص القرآن، فإن تصميم واجهات تسهل الوصول إليه أو تروج له أمر غير جائز، ويجب عليك التوقف فورًا عن تصميم أي أجزاء تتعلق بقسم القمار أو المراهنات.
وبخصوص الأجر: ما تقاضيته مقابل الأجزاء "المباحة" فهو حلال لك. أما ما يخص واجهات المراهنات فهو مال حرام يجب التخلص منه.
أما بخصوص الشرط الجزائي: يُندب لك الاعتذار بذكاء أو محاولة التفاوض لتجنب الأجزاء المحرمة، فإن أجبرت ولم تستطع الانسحاب إلا بضرر مادي كبير لا تتحمله، فقد رخص بعض العلماء في إكمال ما لا بد منه لدفع الضرر مع كراهة ذلك وبذل الجهد في التخلص من مقابل هذا الجزء تحديدًا.
القواعد الفقهية الحاكمة في هذه المسألة
تعتمد هذه المسألة على قواعد شرعية دقيقة:
قاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد": فإذا كان المقصد (القمار) محرمًا، فالوسيلة إليه (التصميم) محرمة.
قاعدة: "المشقة تجلب التيسير": وتستخدم هنا في أضيق الحدود لتقدير الضرورة في حال وجود "الشرط الجزائي" الضخم.
قاعدة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب": والواجب هنا هو "تطهير المال"، فلا يتم إلا بفرز الأجر المباح عن المشبوه.
قاعدة: "الضرورات تقدر بقدرها": فلا يتوسع في العمل المحرم بحجة الشرط الجزائي، بل يُكتفى بالحد الأدنى الذي يدفع الغرامة.
ثالثًا: آراء العلماء المعاصرين
يرى المعاصرون من الهيئات الشرعية للمصارف الإسلامية والمجامع الفقهية أن العمل في المنصات "مختلطة النشاط" جائز في أجزائها المباحة، ومحرم في أجزائها المحرمة.
أفتى البعض بأنه إذا كان التطبيق قائمًا بصفة أساسية على الحرام (تطبيق قمار)، فلا يجوز تصميم أي جزء فيه ولو كان صفحة لا علاقة لها بالمحرم.
أكدوا على أن "الخروج من العقود المحرمة" واجب، ولكن إذا ترتب عليه ضرر ماحق (غرامة تفوق القدرة)، جاز للمرء المناورة لتقليل الخسائر مع استحضار نية التوبة.
آراء العلماء القدامى
ناقش الفقهاء قديمًا مسألة "إجارة النفس لعمل محرم":
جمهور الفقهاء (مالك، الشافعي، أحمد): ذهبوا إلى بطلان الإجارة على المعاصي، وأن الأجر المأخوذ عليها لا يُملك ويجب صرفه في مصالح المسلمين العامة (تخلصًا لا تصدقًا).
الإمام أبو حنيفة (في رأي مرجوح عنه): كان يرى أن الإثم على "الفاعل" وليس "الصانع" في بعض المهن (كحمل الخمر لمن لا يشربها)، لكن الفتوى المعمول بها عند الحنفية الآن هي قول الصاحبين (أبو يوسف ومحمد) الذي يتفق مع الجمهور في التحريم للارتباط المباشر بالمعصية.
نصيحة ختامية
يا أخي، "من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه"، ولا يغرنك بريق الأجر الكبير من هذه الشركات، فدرهم حلال فيه بركة خير من قنطار محرم يذهب في وعكة صحية أو ضيق نفس.
استعن بالله، وابحث عن عملاء يقدرون مبادئك، فالسوق واسع والرزق بيد الرزاق وحده. والله أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
نظام التعاقدات في قوانين العمل مقارنة بأحكام الشريعة الإسلامية