الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
100 - رقم الاستشارة : 5909
23/09/2026
هل تندرج المشاركة الجماعية في تنظيف الطرقات والمرافق العامة تحت باب "إماطة الأذى عن الطريق" الكافل للأجر؟ وما الحكم إذا تضرر شخص أثناء قيامه بهذا العمل المتطوع، هل يضمن المتسبب أم يعتبر متبرعًا يسقط حقه؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وقد
حث الإسلام على النظافة العامة وحفظ المرافق المشتركة وصيانة حقوق المجتمع، واعتبر
السعي في خدمته ورفع الأذى عنه شعبةً من شعب الإيمان، ويتفرع سؤالكم إلى جانبين
أساسيين: أحدهما تعبدي متعلق بفضل المشاركة المجتمعية في تنظيف الطرقات، والآخر
حقوقي وضماني متعلق بمسؤولية الضمان والتعويض لمن لحقه ضررٌ عارضٌ أثناء التطوع.
اختصارًا: بكل
يقين تندرج المشاركة الجماعية في تنظيف الطرقات والمرافق العامة بشكل مباشر تحت
حديث النبي ﷺ: وإماطة الأذى
عن الطريق صدقة، بل إنها من أعظم أنواع إماطة الأذى لما فيها من تكثير النفع العام
والتعاون على البر والتقوى.
حكم
الضمان لمن تضرر أثناء التطوع: إذا كان الضرر ناتجًا عن فعل متسبب
مباشر كشخص أهمل فوضع عائقًا أو أداة ضارة تسببت في إصابة المتطوع دون خطأ منه
فالأصل وجوب الضمان والدية أو أرش الجرح على المتسبب لارتكابه محظور الإضرار
بالغير.
وإذا
لم يوجد متسبب مباشر وكان الضرر ناشئًا عن طبيعة العمل التطوعي نفسه دون تعدٍ أو
تقصير من أحد فالمتطوع يُعد محسنًا، وما تلف بسببه أو لحق به فهو من قبيل الابتلاء
ولا ضمان على أحد، لقوله تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة:
91]
وتفصيلاً:
أولاً:
فضل تنظيف الطرقات وإماطة الأذى:
دلّت
النصوص النبوية الصحيحة على عظيم الأجر المترتب على إزالة الأذى عن طرق المسلمين
ومرافقهم العامة.
ومنه
ما ورد في الصحيحين: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: الإيمان
بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى
عن الطريق.
وحديث
أبي ذر رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: عُرضت عليّ أعمال أمتي حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن
الطريق... [رواه مسلم].
وقال
الإمام النووي رحمه الله في "شرح صحيح مسلم": «قوله: وإماطة الأذى عن
الطريق صدقة معناه إزالته، كالحجر والشوك والزجاج ونحو ذلك مما يؤذي المارّة، وهو
يشمل كل ما يعطل المصلحة العامة للمسلمين في طرقاتهم ومرافقهم، وفيه الحث العظيم
على التعاون على البر وخدمة المجتمع».
ثانيًا:
حكم الضمان في الأعمال التطوعية والإصابات العارضة:
الفقهاء
متفقون على أن المتطوع بفعل الخير لا يضمن ما يتلف تحت يده أو ما يصيبه طالما لم
يصدر منه تعدٍ أو تفريط، وفي المقابل فإن من تسبب في إيذاء الغير يتحمل المسؤولية
والضمان.
قال
الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" ج 7 ص 343 - كتاب الجنايات: «من
أحدث في الطريق العام شيئًا لم يأذن فيه الشارع ولا إمام المسلمين كحفر حفرة أو
وضع عائق بلا مبرر فتسبب في إتلاف مال أو إضرار إنسان، فهو ضامن له إجماعًا؛ لأن
الجناية ترتبت على فعله المتعدي».
وجاء
في "الموسوعة الفقهية الكويتية" ج 28 ص 139 - باب الضمان والإتلاف:
«المتطوع
بأعمال النفع العام أو الإصلاح لا ضمان عليه فيما يتلف بغير تعدٍ أو تفريط، لقوله
تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} [التوبة: 91]
أما
المتسبب في الإضرار بخطئه أو إهماله فيلزمه ضمان ما أَتلفه من نفس أو مال أو
منفعة».
القواعد
الفقهية الحاكمة في إماطة الأذى عن الطريق:
قاعدة:
"التسبب كالمباشرة في الضمان": من تسبب في إيجاد
خطر أو إهمال أدى إلى تضرر المتطوع، فإنه يُلزم بالضمان بحسب جنايته وخطئه؛ لأن
التسبب مناط المسؤولية عند وجود التقصير.
قاعدة:
"ما على المحسنين من سبيل":
المتطوع
في خدمة المجتمع وتنظيف مرافقه مُحسنٌ باذلٌ لجهده، فلا يُعاقب بالضمان أو التبعية
إذا لم يقصر أو يتعدَ في عمله.
قاعدة:
"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح":
العمل
التطوعي مطلوب ومحمود، ويجب أن يُؤدى بحذر ووقاية لدرء الأضرار الجسدية والمادية
عن المشاركين قدر الاستطاعة، التزاماً بقاعدة دفع الضرر العام والخاص. والله تعالى
أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: