اقدروا له قدره.. الصوم والصلاة إذا اختل ميزان الليل والنهار

Consultation Image

الإستشارة 02/04/2026

أعيش في منطقة في القطب الشمالي حيث يغيب الشفق تماماً في الصيف ويستمر النهار لـ 22 ساعة. كيف أصلي وأصوم؟ وهل يجوز لي الفطر والاتكال على توقيت مكة المكرمة أم أقرب بلد معتدل؟ علماً أن طبيعة عملي تتطلب مجهوداً بدنياً شاقاً لا أستطيعه مع الصيام الطويل

الإجابة 02/04/2026

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

أهلاً بك يا أخي، وكان الله في عونك على هذه الظروف الصعبة والعمل الشاق. هذه المسألة من النوازل الكبرى التي استدعت اجتهادات فقهية معاصرة دقيقة، نظرًا لخروجها عن الأنماط الطبيعية للوقت التي نزلت فيها الأحكام الأصلية.

 

إجمالاً:

 

في الصلاة: بما أن العلامات الفلكية (الشفق والغروب) مفقودة أو غير منضبطة، فلا تجب الصلاة حسب حركة الشمس، بل بـ "التقدير". والأرجح والمُفْتَى به هو اتباع توقيت أقرب بلد تنضبط فيه علامات الليل والنهار وتتميز فيه الأوقات.

 

في الصيام: الأصل أن من شهد الشهر فليصمه، لكن النهار الذي يمتد لـ 22 ساعة نهار "خارج عن المعتاد". لذا يجوز لك شرعًا التقدير في الصيام أيضًا باتباع توقيت أقرب بلد معتدل، أو توقيت مكة المكرمة.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في هذه المسألة

 

قاعدة "المشقة تجلب التيسير": صيام 22 ساعة مع عمل شاق هو مشقة غير معتادة تُبيح الترخص.

 

قاعدة "إذا ضاق الأمر اتسع": عند انعدام العلامات الكونية للصلاة، يتسع الحكم للاجتهاد بالتقدير.

 

قاعدة "لا تكليف إلا بمقدور": التكليف بصيام يهدد الصحة أو الحياة بسبب طوله وعمل الشخص يسقط شرعًا لوجود العذر.

 

آراء العلماء المعاصرين

 

انقسمت الفتاوى المعاصرة (كالمجمع الفقهي الإسلامي ودار الإفتاء المصرية) إلى رأيين:

 

الرأي الأول: وجوب اتباع توقيت أقرب بلد تنضبط فيه العلامات الكونية (ليل ونهار متميزين)، وهو الرأي الأكثر شيوعًا وعملية للمقيمين في القطب.

 

الرأي الثاني: جواز اتباع توقيت مكة المكرمة باعتبارها "أم القرى" ومركز الأرض، وهذا يرفع الحرج تمامًا ويجعل ساعات الصيام معتدلة (حوالي 13-15 ساعة).

 

بخصوص العمل الشاق: اتفقوا على أن من يخشى على نفسه الهلاك أو المرض الشديد بسبب الصيام في هذه الظروف، فله أن يفطر ويقضي.

 

آراء العلماء القدامى

 

لم يعاصر الفقهاء القدامى السكن الدائم في القطب الشمالي، لكنهم أسسوا للمسألة من خلال حديث "الدجال"؛ حيث سأل الصحابة رسول الله ﷺ عن يوم كسنة، فقال: "اقدروا له قدره".

 

واستنبط العلماء من قوله "اقدروا له قدره" أن العبادة المرتبطة بالوقت لا تسقط عند غياب العلامة، بل يتم تقدير زمنها بناءً على أقرب وقت طبيعي معروف.

 

وختامًا:

 

أخي الكريم، الدين يسر، والهدف من الصيام هو التقوى لا التعذيب. وإليك ما تفعله:

 

اختر نظامًا للتقدير: إما أن تتبع توقيت مكة المكرمة في الصلاة والصيام (وهو الأيسر لك)، أو تتبع توقيت أقرب مدينة كبيرة جنوبًا يتساوى فيها الليل والنهار تقريبًا.

 

بخصوص العمل الشاق: ابدأ يومك بنية الصيام (على التوقيت الذي اخترته)، فإذا وصلت لمرحلة شعرت فيها بإعياء شديد أو خطر على صحتك بسبب المجهود البدني، فأفطر وعليك قضاء ذلك اليوم في أيام الشتاء القصيرة.

 

الثبات النفسي: لا تشعر بالذنب؛ فأنت في ثغر من ثغور الأرض، والشرع الذي أمرك بالصيام هو نفسه الذي رخّص لك الفطر عند المشقة والتقدير عند غياب الوقت، نصيحتي لك أن تأخذ بتوقيت مكة المكرمة في هذه المناطق المتطرفة، فهو أكثر انضباطًا وراحة للنفس والبدن، ويمكنك الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة باستخدام تطبيق يحدد لك مواعيد الصلاة، ومواعيد الإفطار والإمساك. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

فتوى الصيام بالتقدير على مكة لأهل أوروبا.. بين الاعتبار والإلغاء

 

الرابط المختصر :