الإضراب عن العمل لتحقيق المطالب.. ضوابطه وشروطه

Consultation Image

الإستشارة 08/11/2026

ما التكييف الفقهي لممارسة "الإضراب عن العمل" كوسيلة للمطالبة بالحقوق العمالية والأجور العادلة، وكيف يُوفق بين أصل الوفاء بالعقود وبين رفع الظلم والمطالبة بـ "أجر المثل" عند تغير الظروف الاقتصادية؟

الإجابة 08/11/2026

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

تتناول هذه الفتوى نازلة من نوازل العصر الحديث، وهي لجوء العمال والموظفين إلى "الإضراب عن العمل" كوسيلة للضغط على جهات العمل لتحصيل حقوقهم أو تحسين أجورهم في ظل التقلبات الاقتصادية. وتعالج الفتوى التكييف الفقهي لهذه الممارسة، وتضع الميزان الشرعي الدقيق بين وجوب الوفاء بعقود الإجارة التي تلزم الطرفين، وبين حق العامل في دفع الظلم الواقع عليه والمطالبة بـ "أجر المثل" عند انهيار القوة الشرائية للأجور، مع بيان الضوابط الشرعية التي تمنع تعسف أي من الطرفين.

 

اختصارًا:

 

الأصل في الشريعة الإسلامية وجوب الوفاء بعقود العمل، ولا يجوز للعامل الامتناع عن أداء عمله المتفق عليه، ومع ذلك، يُكيّف "الإضراب عن العمل" فقهياً في حالات الظلم البين على أنه "امتناع عن تسليم المنفعة لاستيفاء الحق" أو "لدفع الضرر". ويجوز الإضراب استثناءً بشروط وضوابط صارمة، منها:

 

ـ أن يكون هناك ظلم حقيقي واقع على العمال كعدم صرف الرواتب أو الغبن الفاحش بسبب التضخم الاقتصادي.

 

ـ أن تُستنفد كافة الوسائل السلمية والقانونية للتفاوض.

 

ـ ألا يتضمن الإضراب إتلافًا للممتلكات.

 

ـ ألا يقع في المرافق الحيوية التي يترتب على تعطيلها ضرر عام بالمجتمع كالمستشفيات والأمن.

 

وفي حال تغير الظروف الاقتصادية وانهيار العملة، يجب شرعًا تعديل "الأجر المسمى" إلى "أجر المثل" رفعًا للضرر.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: التكييف الفقهي لعقود العمل وموقف الإضراب منها:

 

عقد العمل في الفقه الإسلامي يُكيّف على أنه عقد "إجارة منافع" وهو عقد مُلزم لازم للطرفين، لا يجوز لأحدهما نقضه أو التخلف عن مقتضياته بإرادة منفردة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].

 

أما "الإضراب"، فيُكيّف فقهيًّا بأنه "احتباس المنفعة" أو "امتناع عن التسليم". والأصل أن من حبس منفعته لا يستحق أجره، ولكن الشريعة أجازت للعامل التوقف عن العمل إذا أخلّ صاحب العمل بالتزاماته كمنع الأجرة.

 

قال الإمام الكاساني في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: "وللأجير أن يمتنع من العمل حتى يستوفي الأجر إن كان الأجر مشروطًا تعجيله؛ لأن الأجر بمقابلة العمل، فكان له أن يمتنع من تسليم العمل حتى يتسلم العوض كالمبيع".

 

ثانيًا: التوفيق بين الوفاء بالعقود ورفع الظلم عند تغير الظروف الاقتصادية:

 

عندما يحدث تضخم اقتصادي شديد وانهيار في قيمة العملة، يفقد "الأجر المسمى" المتفق عليه في العقد قيمته الحقيقية، ويقع العامل في "غبن فاحش"، والشريعة الإسلامية مبنية على العدل ورفع الظلم، لقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه عز وجل: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا» رواه مسلم.

 

لذلك، قرر الفقهاء في الجوائح والظروف الطارئة أن العقد يُعدّل لرفع الظلم، ويُنتقل من "الأجر المسمى" إلى "أجر المثل" وهو الأجر الذي يتقاضاه من يماثل هذا العامل في نفس المهنة.

 وورد في قرار مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي قرار رقم: 75: "يجوز أن تتضمن أنظمة العمل واللوائح والترتيبات الخاصة بعقود العمل التي تتحدد فيها الأجور بالنقود شرط الربط القياسي للأجور، على ألا ينشأ عن ذلك ضرر للاقتصاد العام.

والمقصود هنا بالربط القياسي للأجور تعديل الأجور بصورة دورية تبعاً للتغير في مستوى الأسعار وفقاً لما تقدره جهة الخبرة والاختصاص، والغرض من هذا التعديل حماية الأجر النقدي للعاملين من انخفاض القدرة الشرائية لمقدار الأجر بفعل التضخم النقدي وما ينتج عنه من الارتفاع المتزايد في المستوى العام لأسعار السلع والخدمات. وذلك لأن الأصل في الشروط الجواز إلا الشرط الذي يحل حراماً أو يحرم حلالاً"


قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى في معرض تدخّل ولي الأمر لتصحيح أجور العمال ومنع استغلالهم: "يمنعهم أن يستعملوا الصناع إلا بأجر المثل... فإنه إذا امتنع الناس من العمل الذي يحتاج إليه الناس إلا بزيادة على الجعل المعروض، كان هذا ظلمًا منهم، ولولي الأمر أن يجبرهم على العمل بأجر المثل".

 

فإذا جاز لولي الأمر إجبار العمال على العمل بأجر المثل لرفع الضرر عن صاحب العمل، فإنه يجوز للعمال المطالبة بأجر المثل لرفع الضرر عن أنفسهم إذا استغلهم صاحب العمل بأجر بخس لا يقيم أودهم.

 

وفي مجلة الأحكام العدلية المادة 414: "إذا فسدت الإجارة، يلزم أجر المثل، ولا يلزم الأجر المسمى". وفساد الإجارة هنا يتحقق باختلال التوازن المالي للعقد اختلالاً جسيماً يضر بأحد الطرفين.

 

ثالثًا: الضوابط الشرعية لجواز الإضراب العمالي:

 

بناءً على ما سبق، فإن الإضراب ليس حقًّا مطلقًا، بل هو وسيلة اضطرارية تُباح بالقدر الذي يرفع الظلم، ويُشترط لجوازه:

 

تحقق المظلمة: كأن يُمنع العمال من أجورهم، أو تُنتقص حقوقهم المتفق عليها، أو يصبح الأجر لا يفي بأدنى متطلبات الحياة بسبب انهيار العملة دون تجاوب من صاحب العمل لتعديله لـ "أجر المثل".

 

استنفاد سبل التفاوض السلمي: يجب أولاً اللجوء إلى القضاء العمالي، والنقابات، ولجان التحكيم. فإن تعنت أصحاب العمل، جاز الإضراب كآخر دواء.

 

خلو الإضراب من الإتلاف والعدوان: يحرم شرعًا أثناء الإضراب إتلاف ممتلكات المصنع أو الشركة، أو الاعتداء على أصحاب العمل، لقوله ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه» رواه مسلم.

 

ألا يتعلق العمل بمرافق حيوية تتضرر بها الأمة: يحرم قطعًا الإضراب في القطاعات التي يترتب على توقفها هلاك الأنفس أو انهيار أمن المجتمع كالأطباء في الطوارئ، ورجال الأمن، وموظفي الإسعاف، وعمال المياه والكهرباء؛ لأن ضرر الإضراب هنا يتعدى صاحب العمل ليصيب الأمة جمعاء.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في إضراب العمال لتحقيق مطالبهم:

 

الضرر يزال: وهي قاعدة فقهية كبرى مستمدة من حديث لا ضرر ولا ضرار. وتُطبق هنا بإزالة ضرر صاحب العمل إذا تعسف، وإزالة ضرر التضخم بتعديل الأجر إلى أجر المثل.

 

يُتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام: وبناءً عليها يُمنع العمال في المرافق الحيوية والصحية من الإضراب الشامل؛ لأن تحملهم للضرر الخاص تأخر حقوقهم أهون من الضرر العام موت المرضى أو انهيار الأمن، ويجب على ولي الأمر التدخل لإنصافهم دون إيقاف العمل.

 

الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت أو خاصة: فالحاجة الماسة للعمال في تحصيل قوت يومهم في ظل الغلاء تنزل منزلة الضرورة التي تبيح لهم التوقف المؤقت عن الوفاء بالعقد حتى تُعدل أوضاعهم.

 

العقد شريعة المتعاقدين إلا إذا أحل حرامًا أو حرم حلالاً: والرضا بالأجر وقت العقد لا ينسحب على الرضا بالغبن الفاحش الطارئ لاحقًا بسبب انهيار الاقتصاد. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

ما هي بيئة العمل المناسبة لتحفيز الأفراد؟

عوامل زرع الولاء في العاملين والموظفين

هل يأثم صاحب العمل بتأخير رواتب عماله بسبب ضائقة مالية؟

التعليقات

الرابط المختصر :