التعامل مع تيار "الغضب والرفض" في الساحة الدعوية

Consultation Image

الإستشارة 12/02/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية في مجتمع إسلامي يعاني من تحديات سـياسـية واجتماعية كبيرة، وألاحظ انتشار تيار بين الشباب يوصف بتيار "الغضب والرفض"، يتميز بالتشدد في المواقف، والمسارعة إلى التكفير، وسوء الظن بالآخرين، ورفض منهج التدرج في الإصلاح.

كيف أتعامل مع أفراد هذا التيار، وأوجِّه غضبهم إلى مسارات إيجابية دون أن أدفعهم إلى الانعزال أو التطرف؟

الإجابة 12/02/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي الداعية الحكيم، وشكرًا لسؤالك المهم الذي يلامس أحد أخطر التحديات في الواقع الدعوي المعاصر. وإن تشخيصك لهذه الظاهرة دقيق، فهي فعلاً تحتاج إلى تعامل خاص يجمع بين الفهم العميق والحكمة العملية.

 

ومسألة (الغضب والرفض للمجتمع) ليست مسألة جديدة في التاريخ الإسلامي، لكنها تتجدد بأشكال متعددة حسب الظروف. وقد وصف الباحثون هذه المسألة بأنَّها نتاج (بؤس الواقع الذي يعيشه العالم الإسلامي تحت استبدادية الأنظمة والهيمنة الغربية). واسمح لي أن نحلل هذه الفكرة العنيفة التي أنتجت سلوكيات عنيفة عند البعض، نحللها ببيان الأسباب وكيفية التعامل معها والعلاج، وذلك على النحو التفصيلي التالي:

 

أسس فهم الظاهرة:

 

أولا: الأسباب الجذرية:

 

1) الإحباط السـياسـي والاجتماعي: مثل فشل مشاريع الإصلاح، واستمرار الظلم، وغياب العدالة.

 

2) التأثير الخارجي: الهيمنة الغربية ودعم الأنظمة المستبدة.

 

3) الفهم القاصر للدين: اختزاله في الجانب السـياسـي والمظهري.

 

4) الغلو في مفهوم الولاء والبراء: وتحويله إلى عداوة مطلقة للمجتمع.

 

ثانيًا: الخصائص السلوكية:

 

1) الشدة والصرامة في الالتزام الظاهري.

 

2) المسارعة إلى التكفير بغير تحفظ.

 

3) استعجال الأشياء قبل أوانها.

 

4) سوء الظن بالآخرين جميعًا.

 

5) ضيق الأفق في فهم الدين والواقع.

 

6) الاعتزاز بالذات المؤدي إلى الاستعلاء.

 

7) اتخاذ القوة المتهورة سبيلاً.

 

ثالثًا: منهجية التعامل الحكيم، وفقا للمراحل التالية:

 

المرحلة الأولى: الفهم والتعاطف

 

1) اعترف بمشاعرهم: لا تنكر معاناتهم أو تستخف بغضبهم، فالظلم واقع وموجود.

 

2) افهم دوافعهم: كثير منهم يبحث عن الكرامة والعدالة التي حرمها الواقع.

 

3) قم بالتمييز بين الغيرة المحمودة والغلو المذموم: كما قال النبي ﷺ: (إن الله يحب الغَيور) ولكن بضوابط.

 

المرحلة الثانية: التصحيح الفكري

 

1) فقه الأولويات: علمهم أن تغيير المنكر يبدأ بتغيير النفس: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ.

 

2) سُنَّة التدرج: ذكّرهم بمنهج النبي ﷺ في مكة: التركيز على التوحيد وتزكية النفوس قبل السـياسة.

 

3) فقه الواقع: علمهم أن الفقه لا يكتمل بدون فهم الواقع: (أنتم أعلم بأمور دنياكم).

 

4) ضوابط التكفير: بين لهم خطورة التكفير بغير حق، وأنه (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما).

 

المرحلة الثالثة: التوجيه العملي

 

1) تحويل الطاقة: وجه غضبهم إلى أعمال إيجابية، مثل: التعليم ونشـر العلم، والعمل الخيري والإغاثي، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وكذا الإصلاح بين الناس.

 

2) النماذج العملية: عرفهم بنماذج من السلف عاشوا في ظلم أكبر لكنهم اختاروا منهج الحكمة، ومن ذلك نموذج: الإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن، وكذا الأئمة الأربعة في عصور الاضطراب.

 

3) فقه الموازنات: علمهم كيف يوازنون بين: النصوص الجزئية والمقاصد الكلية، بين تغيير المنكر وحفظ المصالح، وكذا الموازنة بين الغيرة على الدين والرحمة بالخلق.

 

المرحلة الرابعة: العلاج النفسـي والتربوي

 

1) علاج سوء الظن: ذكّرهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ.

 

2) تعليم الأدب: فكن كالطبيب يرحم المريض ويستعمل معه الدواء.

 

3) بناء الثقة: عاملهم باحترام، واسمع لهم، ولا تستخف بآرائهم.

 

المرحلة الخامسة: التعامل مع الحالات المتطرفة

 

1. الحوار الهادئ: لا تجادلهم بالعنف، بل بالحجة والبرهان.

 

2. العزل عن المؤثرات السلبية: ساعدهم في الابتعاد عن مصادر التطرف.

 

3. الدعاء لهم: لا تيأس من روح الله، فالقلب بين أصبعين من أصابع الرحمن.

 

وتلك بعض التحذيرات المهمة للغاية:

 

1. لا تكن جزءًا من المشكلة: بتصعيد الخلاف أو الاستهزاء بهم.

 

2. احذر التسـرع في الحكم: بعضهم يبدأ متطرفًا ثم يهديه الله إلى الصواب.

 

3. لا تهمل الجانب العاطفي: كثير منهم يعاني من فراغ عاطفي أو اجتماعي.

 

4. التوازن في النقد: انتقد الفكرة لا الشخص، وعاملهم بالحسنى.

 

وختامًا:

 

تذكر أن هؤلاء الشباب هم -في الغالب- ضحايا واقع مرير وفهم قاصر. مهمتك ليست هزيمتهم؛ بل هدايتهم. ولا تكن قاضيًا يحكم عليهم؛ بل طبيبًا يداويهم، وأبًا يرعاهم، وأخًا يشفق عليهم، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125]. فاجمع بين الحكمة في الفهم، والموعظة في الأسلوب، والجدال بالتي هي أحسن في المناقشة.

 

ونسأل الله أن يهدينا جميعًا لصـراطه المستقيم، وأن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يجعلنا من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.

 

روابط ذات صلة:

كيف أدعو الشباب الرافض للخطاب الديني التقليدي؟

"عيش الحياة".. شعار شباب يحتاج أساليب جديدة للدعوة

قهوة وقضية.. حوار يجذب الشباب للدعوة

كيف أُصحّح السلوكيات الخاطئة لدى الشباب؟

منهجية دعوة الشباب المنغمس في "ثقافة الشك"

الرابط المختصر :