الداعية بين ضعف التفاعل وقوة الأثر الخفي

Consultation Image

الإستشارة 30/08/2025

أحيانًا أتحدث وأنصح، وأرسل كلمات طيبة أو مقاطع نافعة، لكن لا أرى أثرًا ظاهرًا، ولا يرد عليّ أحد، وأشعر أن الناس لا يهتمون، بل أحيانًا يتجاهلون! وهذا يضعف حماسي، ويجعلني أتساءل: هل دعوتي بلا نفع؟

الإجابة 30/08/2025

أيها الداعية المبارك، اعلم أن معيار نجاح الدعوة ليس في كثرة الردود أو التعليقات أو مظاهر الإعجاب، بل في إخلاص النية لله، واستمرار البذل، وتفويض النتائج إلى العزيز الحكيم. إنك تعمل لله لا للجمهور، وتزرع في القلوب بذور الخير، وقد لا ترى الثمرة فورًا، لكنها تنبت في وقتها الذي يقدره الله، وفي أرض قد لا تخطر على بالك.

 

قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى۝ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى﴾ [الأعلى: 9-10] فالواجب هو التذكير، وأما الانتفاع فهو أمر بيد الله، وقد أخبر سبحانه أن بعض القلوب ستتذكر وأخرى ستعرض، وهذا أمر طبيعي في مسيرة الدعوة.

 

تأمل في سيرة نبيك ﷺ، فقد دعا في مكة ثلاث عشرة سنة، وواجه الإعراض والاستهزاء، ومع ذلك لم يتراجع، لأنه كان يقيس نجاحه بالقيام بواجب البلاغ لا بردود الأفعال اللحظية. وقال له ربه: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: 99].

 

نماذج ملهمة

 

* نوح عليه السلام دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ولم يؤمن معه إلا قليل، ومع ذلك أثنى الله عليه وجعله قدوة للصابرين

 

* الإمام البخاري ألّف كتابه الجامع الصحيح ولم ير أثره العظيم في حياته كما نراه اليوم، لكنه صار من أعظم آثار الأمة العلمية.

 

* كم من داعية معاصر نشر مقطعًا قصيرًا أو منشورًا بسيطًا على وسائل التواصل، فغيّر حياة إنسان في بلد بعيد، دون أن يعلم الداعية بذلك أبدًا.

 

لماذا قد لا ترى الأثر الآن؟

 

- لأن بعض الثمار تتأخر، فقد يقرأ شخص كلماتك اليوم، لكن أثرها يظهر في موقف حاسم من حياته بعد سنوات.

 

- وقد يكون الأثر صامتًا، فالكثير يتأثر لكنه لا يملك التعبير أو لا يرى ضرورة الرد.

 

- وأحيانًا ينتقل الأثر لغيرك بطريقة غير مباشرة، فيكون شخص آخر هو الذي يشهد النتيجة، وأنت لا تدري.

 

توجيهات عملية للاستمرار في الدعوة

 

1. جدّد نيتك قبل كل كلمة أو منشور، واحتسب الأجر عند الله.

 

2. نوّع أسلوبك بين النصوص المكتوبة، والمقاطع المرئية، والصور المؤثرة، واللقاءات المباشرة.

 

3. كوّن شبكة علاقات مع بعض المستفيدين من دعوتك، لتجد التشجيع والتغذية الراجعة.

 

4. احتفظ بسجل إيجابي تكتب فيه التعليقات أو المواقف المؤثرة التي وصلتك، لتعود إليها وقت الفتور.

 

5. أكثر من الدعاء، ومن أجمل ما تدعو به: "اللهم اجعل لي في قلوب عبادك أثرًا لا يُنسى، وعملاً لا ينقطع".

 

واعلم ختامًا بأنّ النجاح في ميزان الله ليس بكثرة الأتباع، بل بصدق التبليغ، ولا تجعل رد فعل الناس هو الذي يحركك، بل ليكن محركك حب الله ورجاء رضاه، ثق أن عملك لن يضيع، فإن لم تر ثمرته في الدنيا، فستراها في صحيفتك يوم القيامة مضاعفة.. قال النبي ﷺ: «لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم».. فربّ رجل واحد يهديه الله على يديك يكون سببًا في هداية أمة من بعده.

الرابط المختصر :