الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة في المهجر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
15 - رقم الاستشارة : 5882
17/09/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا طبيب استشاري مسلم أعمل في أحد المستشفيات الكبرى في دولة أستراليا منذ أكثر من خمس عشرة سنة. ألتقي يوميًّا بمرضى وأطباء من مختلف الجنسيات والديانات والإلحاد. أجد في نفسي رغبة عارمة في استثمار مهنتي الطبية لخدمة الإسلام ونشر محاسنه، لكنني أقع في حيرة حول الضوابط والوسائل.
قوانين العمل الطبي في الغرب صارمة جدًّا، وتحظر استخدام الوظيفة للتبشير المباشر أو فرض الآراء الدينية على المرضى أثناء استغلال ضعفهم المرضي، وقد يعرض ذلك الطبيب للمساءلة القانونية أو فقدان الرخصة.
كيف أستطيع كطبيب مسلم في ديار المهجر أن أمارس "الدعوة بالحال والمهنة" بأسلوب محترف وأخلاقي يمتثل للقوانين وفي الوقت نفسه يترك أثرًا عميقًا في قلوب المرضى والزملاء؟ وما هي المسارات العمليّة لتقديم الإسلام كأنموذج للرحمة والشفاء في القطاع الصحي؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أخي الطبيب الفاضل، وبارك الله في طبك وجهدك
ورسالتك الإيمانية السامية.
إن مهنة الطب هي من أشرف المهن التي تتجلى فيها معاني الرحمة والإحسان، والطبيب المسلم في ديار الغربة يحمل "مشرط" العلاج ونور الهداية.
والدعوة في البيئات المهنية
الصارمة لا تتطلب إعطاء دروس وعظية مباشرة، بل تتطلب تعظيم "الدعوة
بالحال والأخلاق والمهنية العالية" التي هي أنفذ إلى القلوب وأكثر احترامًا
للقوانين.
ولاستثمار القطاع
الطبي في تمثيل محاسن الإسلام باقتدار، نوصي بالمنهجية التالية:
أولاً: تحقيق
(الإتقان والرحمة الفائقة) كشعار إسلامي:
إن أبلغ رسالة
دعوية يقدمها الطبيب هي أن يكون "الأنموذج المشرق في الأداء والأخلاق":
1. الرحمة والتواضع مع المرضى: التعامل مع
المريض كإنسان معذب يبحث عن الأمان، والإنصات لآلامه بابتسامة ورفق؛ فالرحمة
الطبية هي تجسيد عملي لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
لِّلْعَالَمِينَ﴾.
2. الإتقان
والأمانة الشديدة: الانضباط في المواعيد، والدقة في التشخيص، والتجرد من الغرض
المادي؛ فالطبيب المسلم لا يمارس الطب كمهنة تجارية فقط، بل كعبادة وإحسان يتقرب
بها إلى الله، لقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ» [رواه مسلم].
ثانيًا: استثمار
(اللحظات الإنسانية والأسئلة العفوية):
القيود القانونية
تمنع الإكراه والتبشير القسري، لكنها لا تمنع الإجابة عن الأسئلة أو التعبير
الطبيعي عن قيمك:
1. الطمأنينة الروحية عند الأزمات: عندما يمر
المريض أو أسرته بلحظات خوف شديد قبل العمليات الجراحية، يمنحهم الطبيب المسلم
كلمات طمأنينة هادئة عن التوكل على الخالق والأمل في الشفاء، دون فرض طقوس معينة.
2. الإجابة
الذكية عن حافز التميز: عندما يسألك الزملاء أو المرضى: "لماذا تبتسم دائمًا؟
لماذا تصبر على المرضى الصعاب؟"، تكون هذه هي اللحظة الذهبية للإجابة
العفوية: "إن ديني وقيمي الإسلامية هي التي تأمرني
برعاية الإنسان وإتقان العمل". هذا الربط الصادق بين السلوك الراقي والدين
يخلق انطباعًا إيجابيًّا عظيمًا.
ثالثًا: المساهمة
في الأبحاث والطب الأخلاقي:
1. تقديم النظرة
الإسلامية في القضايا الأخلاقية الطبية: المشاركة في لجان الأخلاقيات الطبية
بالمستشفى، وتقديم الرؤية الإسلامية المتزنة في قضايا مثل (الموت الرحيم، الإجهاض،
استنساب الجينات)، وهي رؤية تحترم الحياة وتصون الكرامة الإنسانية.
2. العمل
الإنساني والتطوعي: المشاركة في القوافل الطبية الإغاثية باسم المؤسسات الإسلامية
المعتمدة في المناطق الفقيرة أو مجتمعات اللاجئين، مما يعكس صورة الإسلام الحضارية
الممتدة للجميع دون تمييز.
وأنصحك
ختامًا بالآتي:
• المحافظة على شعائر الصلاة في وقتها: اختر
مكانًا مناسبًا في المستشفى لأداء صلاتك بوقار؛ فانتظامك في عبادتك وسط ضغط العمل
يثير فضول الزملاء ويتوج استقامتك.
• إهداء
المطبوعات الطبية والأخلاقية الراقية: إذا أبدى أحد الزملاء رغبة في المعرفة، قدّم
له كتبًا تشرح إسهامات المسلمين في تاريخ الطب، أو كتبًا تشرح القيم الأخلاقية في
الإسلام.
• التضرع إلى
الله قبل دخول العمليات: سل الله دائمًا أن يجري الشفاء على يديك، وأن يجعل طبك
سببًا لفتح قلوب العباد للحق.
وأسأل الله
العظيم أن يبارك في طبك ومالك وعمرك، وأن يجعلك طبيبًا للأبدان والقلوب، وسفيرًا
مباركًا للإسلام في ديار المهجر.
روابط ذات صلة: