الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
27 - رقم الاستشارة : 5602
17/08/2026
اشتركت في مزاد إلكتروني لبيع قطعة أرض مملوكة لي، وقبل نهاية وقت المزاد بدقائق، اتفقت مع صديق لي أن يدخل ويقوم برفع السعر وهمياً دون أن تكون لديه رغبة حقيقة في الشراء، وذلك فقط لإيهام بقية المزايدين بأن الأرض مطلوبة ليدفعوا سعراً أعلى؛ فهل الأرباح الزائدة الناتجة عن هذه الطريقة حلال؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله
ورعاك أن المعاملات المالية والتجارية في الفقه الإسلامي تقوم على قاعدة الشفافية
والتراضي، وحظر أدوات الخداع والتدليس. وقد حرّم الشارع الحكيم كل مسلك يتضمن
إيهام المشتري بخلاف الواقع للحصول على مال بغير حق.
ومن الصور المشهورة في الفقه القديم والحديث صورة رفع
سعر السلعة ممن لا يريد شراءها بغرض إغراء الراغبين الحقيقيين بدفع ثمن أعلى، وهو
ما يُعرف بـ «النجش». ولا يختلف التكييف الشرعي في كون المزاد المتبع تقليديًّا
حضوريًّا أو أُجري عبر منصات المزادات الإلكترونية الحديثة؛ إذ إن العبرة في
العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
اختصارًا: الاتفاق
مع شخص لرفع السعر وهميًّا في المزاد الإلكتروني دون رغبة حقيقية في الشراء محرم
شرعًا؛ لأنه صورة من صور النجش الصريح والغش والتدليس. والأرباح أو المبالغ
الزائدة الناجمة عن هذا الرفع الوهمي تُعد كسبًا خبيثًا ومالاً حَرَامًا فهو من
أكل أموال الناس بالباطل.
ويتوجب عليك شرعًا التوبة إلى الله سبحانه والتبرؤ من
هذا المسلك، ورد المبالغ الزائدة الناتجة عن هذه الحيلة إلى المشتري الذي وقع عليه
التغرير إن أمكن الوصول إليه، ولا يحل لك شرعًا الانتفاع بها.
وتفصيلاً:
وقع النهي صريحًا عن النجش ففي الحديث النبوي: عن عبد
الله بن عمر رضي الله عنهما: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ النَّجْشِ» متفق عليه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه
أن رسول الله ﷺ قال: «وَلَا تَنَاجَشُوا» متفق عليه.
وقال الإمام الماوردي في كتاب «الحاوي الكبير»:
«وَحَقِيقَةُ النَّجْشِ الْمَنَهِيِّ عَنْهُ فِي الْبَيْعِ أَنْ يَحْضُرَ
الرَّجُلُ السُّوقَ فَيَرَى السِّلْعَةَ تُبَاعُ فَيَمْنَعُ أَوْ يَزِيدُ فِي
ثَمَنِهَا وَهُوَ لَا يَرْغَبُ فِي ابْتِيَاعِهَا، لِيَقْتَدِيَ بِهِ الرَّاغِبُ
فَيَزِيدَ لِزِيَادَتِهِ ظَنَّاً مِنْهُ أَنَّ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لِرَخَصِ
السِّلْعَةِ، فَهَذَا خَدِيعَةٌ مُحَرَّمَةٌ».
وقال الإمام ابن قدامة في كتاب «المغني»: «وَالنَّجْشُ:
أَنْ يَزِيدَ فِي السِّلْعَةِ مَنْ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا، لِيَقْتَدِيَ بِهِ
الْمُسْتَامُ، فَيَظُنَّ أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ فِيهَا هَذَا الْقَدْرَ إلَّا وَهِيَ
تُسَاوِيهِ، فَيَغْتَرَّ بِذَلِك... وَهُوَ حَرَامٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا
بِالْمُشْتَرِي وَخَدِيعَةً لَهُ».
وقال الإمام ابن عبد البر في كتاب «الاستذكار»:
«وَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ مِنَ النَّجْشِ: أَنْ يَزِيدَ الرَّجُلُ فِي السِّلْعَةِ
وَهُوَ لَا يُرِيدُ ابْتِيَاعَهَا، وَإِنَّمَا يَزِيدُ فِيهَا لِيَغُرَّ غَيْرَهُ
فَيَزِيدَ لِزِيَادَتِهِ، فَهَذَا هُوَ النَّجْشُ الَّذِي اجْتَمَعَ الْعُلَمَاءُ
عَلَى أَنَّهُ خَدِيعَةٌ لَا تَجُوزُ»
القرارات والنصوص الموثقة من الفتاوى والمجامع المعاصرة في
بيع المزايدة
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي القرار رقم 73 - 4/8
بشأن بيع المزايدة:
جاء في قرار مجلة مجمع الفقه الإسلامي الدولي المعني
بضوابط المزايدات: «النجش حرام، ومن صوره: أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد
شراءها ليغري المشتري بالزيادة».
فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة
العربية السعودية بشأن بيع المزايدة:
ورد في فتوى اللجنة الدائمة برقم 13 / 121: «الزيادة في
المزاد ممن لا يريد الشراء وإنما يقصد رفع الثمن على المشتري ترغيبًا له أو نفعًا
للبائع هي النجش المحرم شرعًا، ولا يحل للبائع أخذ الزيادة الناشئة عن هذا الفعل؛
لأنها مال مأخوذ بالباطل والخديعة».
القواعد الفقهية الحاكمة بشأن بيع المزايدة:
قاعدة: «لا ضرر ولا ضرار»
إن رفع السعر صوريًّا يلحق ضررًا ماليًّا مؤكدًا
بالمشتري الذي غُرَّ بدفع مبالغ لا تقابل القيمة الواقعية للتنافس الحقيقي في
السوق.
قاعدة: «الرضا الناشئ عن التدليس رضا فاسد»
اشتراط الشريعة للتراضي في العقود قائم على الصدق
والأمانة؛ فإذا بنى المشتري رضاه بالثمن المرتفع على خدعة المزايدة الوهمية، فسد
هذا التراضي وصار أخذ المال منه بغير حق.
قاعدة: «ما حرم أخذه حرم التسبب فيه»
لما كان التسبب في رفع السعر عبر الاستعانة بالصديق
نجشاً محرم الصنع والوسيلة، فإن النتيجة -وهي المال والربح الزائد- تصبح محرمة
الأخذ والانتفاع بها. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة: