الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : قضايا معاصرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
30 - رقم الاستشارة : 4430
25/03/2026
أنا صاحبة هذه الفتوى وما جعلني أسأل هذا السؤال على الرغم من أنى أقيم في مصر هو: أن المسئولين فيها أعلنوا كما أذكر أنهم لن يتحروا الحلال والمحرم من الذبائح والأطعمة إلا في الذبح فقط وكما هو معروف فإن كثير من الأطعمة من غير الذبائح يتم استيرادها من الخارج من دول الغرب (التي بعضها الآن قد يكون أغلبيته ملحد أو ينتمى لمعتقدات تسمى روحية غير النصرانية واليهودية) وبعضها من الهند أو من دول شرق أسيا كاليابان، فهل يجوز تناول أطعمة كالشوكولاتة تحتوى على دهون لا أعرف مصدرها أم أتناولها عادى لأنى في دولة إسلامية حتى لو صرح المسئولون أنهم لا يتحرون.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فهذه المسألة من المسائل التي تمس حياة الناس اليومية، وهي تجمع بين القواعد الفقهية الكلية وبين الواقع المعاصر في التجارة الدولية.
نغم أختنا الفاضلة، ما زلت أذكر سؤالك وكما أسلفت في الإجابة السابقة، المقيمون في بلاد الإسلام لديهم الكثير من البدائل التي تغنيهم عن الدخول في حالة الريبة والشك، فمن تحرج من منتج مستورد يمكنه الاستعاضة عنه بمنتج محلي، وفي غالب الأمر الشركات الكبرى ذات السمعة التجارية المرموقة تراعي في أغلب الأحوال الفوارق بين المجتمعات وربما تبيع السلعة نفسها لمكانين مختلفين بمكونات مختلفة بناء على الفوارق الدينية والاجتماعية والثقافية، غير أنني حاولت الوصول إلى ما أشرت إليه من أن الجهات الرقابية قد أوقفت عملية التحري، فوجدت أن الحكومة في عام 2025 قد أعفت فقط منتجات الألبان التي لا تحتاج إلى شهادة حلال باعتبار أنها جاءت من حيوان حي، أما الذبائح ومشتقاتها فلا تزال خاضعة للرقابة.
ودعيني أوجز لكِ التفاصيل مرة أخرى، بالاستناد إلى القواعد الشرعية المعتبرة.
1. القاعدة الأساسية: "الأصل في الأشياء الإباحة"
في غير الذبائح (اللحوم)، القاعدة الفقهية تقول: "الأصل في الأعيان الطهارة والحل حتى يقوم دليل على التحريم"، والمكونات التي تدخل في الشوكولاتة والبسكويت (مثل مستحلبات الصويا، الزيوت النباتية، السكر، الحليب) هي أصلها الحل، وكون الدولة تستورد من دول ملحدة أو غير كتابية لا يعني بالضرورة حرمة منتجاتها "غير اللحمية"؛ لأن الصناعات الغذائية الكبرى تعتمد غالبًا على مواد كيميائية أو نباتية لرخص ثمنها وسهولة حفظها.
2. حكم الدهون والمضافات (الجيلاتين والمنفحة والزيوت)
عندما تقرأ "دهون" أو "إضافات" على منتج مستورد، فالاحتمالات كالتالي:
الدهون النباتية: حلال بإجماع، وهي الغالبة في صناعة الشوكولاتة (زبدة الكاكاو، زيت النخيل)؛ لأنها أرخص من الدهون الحيوانية.
الدهون الحيوانية: إذا ثبت أنها من خنزير فهي حرام. أما إذا كانت من بقر أو غنم من دولة غير كتابية (كاليابان أو الصين أو ملاحدة أوروبا)، فالخلاف يقع في "الاستحالة" (تحول المادة كيميائيًّا إلى مادة أخرى تمامًا)، وكثير من المجامع الفقهية المعاصرة ترى أن المواد التي تعاملت كيميائيًّا حتى فقدت خواصها الأصلية تطهر وتصير حلالاً.
3. هل يجب التحري؟
هنا نأتي لنقطة جوهرية في الفقه الإسلامي وهي "الورع" مقابل "الأصل":
من حيث الحكم الفقهي: لا يجب عليك شرعًا التنقيب والبحث خلف كل قطعة شوكولاتة ما لم يظهر لك ريب قوي (مثل وجود شعار خنزير أو نص صريح على احتواء المادة على كحول أو شحم خنزير)، ولو صرح المسؤولون بأنهم لا يتحرون إلا في "الذبح"، فإن دخول هذه البضائع إلى "سوق المسلمين" يعطيها نوعًا من الإباحة الظاهرة. المسلم لا يُطالب شرعًا بفتح مختبر كيميائي خلف كل سلعة يشتريها؛ فهذا يفتح باب "الوسواس" المذموم شرعًا، ولكن ما ظهر لنا ففيه الورع.
4. الفرق بين "أرض الإسلام" و"بلد المنشأ"
علماء المذاهب (كالحنفية والشافعية) نصوا على أن ما يُباع في أسواق المسلمين يُحمل على الحل، ولا يُسأل عنه ما لم يتيقن المرء من وجود النجاسة، ووجودك في مصر (دولة إسلامية) يجعل يد المسلم على السلعة "يدًا شرعية"، تبيح لك الاستهلاك بناءً على الظاهر. أما كون المصدر يابانيًّا أو هنديًّا، فإن المنتجات المصنعة (غير اللحوم) تُعامل معاملة "الجمادات" التي أصلها الحل، وليست "ذبائح" تشترط فيها ديانة الذابح.
إذا أردتِ أن تستبرئي لدينكِ (من باب الورع وليس الوجوب)، يمكنك البحث عن علامة "حلال" الدولية أو الابتعاد عن المنتجات التي تشك فيها شكًّا قويًّا، لكن لا تحرمها على نفسك أو غيرك بغير يقين، فاليقين (وهو حل الطعام) لا يزول بالشك (احتمال وجود دهن محرم).
يقول الإمام النووي: "لا ينبغي للرجل أن يمتنع من شيء لم يتيقن تحريمه لقوله ﷺ: (الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات)، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، لكن المشتبه ليس هو المحرم يقينًا". والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
دهون البقر المذبوح في اليابان حلال أم حرام؟