الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة النسائية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
24 - رقم الاستشارة : 4018
03/02/2026
أنا فتاة أعمل في الدعوة، لكنني أتعرض لانتقادات وتشكيك بدوري، وأحيانًا يُنظر إليّ بتوجس، فكيف أستمر دون أن أنهك نفسي؟
حياكِ الله أختي الكريمة، وبارك في همّك الدعوي، وثبّتك على الحق، وجعل ما تلقينه رفعة في الدرجات لا وهنًا في العزيمة.
واعلمي -رحمكِ الله- أن ما تواجهينه ليس أمرًا طارئًا ولا خاصًّا بك؛ بل هو سُنّة ماضية في طريق الدعوة، وخاصة لمن تحمل همّ الإصلاح وهي امرأة؛ لأن الدعوة النسائية تقع غالبًا بين مطرقة التشكيك وسندان التوقعات العالية.
أولًا: تثبيت الأصل الشرعي لدورك
المرأة في الإسلام شريكة في حمل الرسالة، لا على الهامش ولا بالتبع فقط، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾، وهذه آية جامعة، قرن الله فيها بين الرجال والنساء في أصل الولاية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو لبّ العمل الدعوي.
وقال النبي ﷺ: «إنما النساء شقائق الرجال»، أي في التكليف، والمسؤولية، وحمل الدين، مع اختلاف الأدوار والخصائص.
ثانيًا: فهم طبيعة الانتقادات وعدم تحميل النفس ما لا تحتمل
الانتقاد والتوجس لا يعني بالضرورة خطأ المنهج، بل قد يكون نابعًا من خوفٍ غير منضبط من التجديد، أو تصورات اجتماعية وموروثات ثقافية، أو حتى من ضعف تحمّل حضور المرأة المؤثرة.
وقد قال الله تعالى لنبيّه ﷺ: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾، فإذا كان هذا في حق الأنبياء، فكيف بمن دونهم؟ والمطلوب منكِ ليس إسكات الجميع، بل سلامة الطريق عند الله.
ثالثًا: الميزان الدقيق في الاستمرار دون إنهاك
الميزان الذي يحفظك نفسيًّا ودعويًّا يقوم على ثلاثة أركان:
1. وضوح المنهج: فكوني على بصيرة بما تقدمينه، قال تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108]. فالبصيرة تمنحك طمأنينة داخلية تقلل أثر التشكيك الخارجي.
2. لين الأسلوب دون تفريط، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]. فاللين يفتح القلوب، لكنه لا يعني الذوبان ولا التنازل عن الثوابت.
3. الثبات بلا صدام؛ فليس كل نقد يُجاب، ولا كل اعتراض يُواجه، ورحم الله امرأً قال خيرًا فغنم، أو سكت عن سوء فسلم.. فاختاري معاركك، فليس من الحكمة أن تُستنزف الطاقة في ردود لا تُثمر.
رابعًا: حفظ النفس عبادة لا أنانية
انتبهِي: إرهاقك النفسي ليس ثمنًا مطلوبًا للدعوة؛ بل قد يكون خللًا في إدارة الجهد. قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «إنَّ لِنَفْسِكَ عليكَ حقًّا» (متفق عليه). فمن فقه الدعوة: أن تجعلي لكِ وقتًا للعبادة الخالصة، ووقتًا للراحة، ووقتًا للتزود العلمي، حتى لا تتحول الدعوة من رسالة إلى عبء.
خامسًا: معيارك الحقيقي
لا تجعلي رضا الناس بوصلتك؛ فالناس متقلبون، وإنما اجعلي ميزانك قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: 5].
وجددي نيتك، وراجعي أثر عملك ولو في قلب واحدة اهتدت أو ثبتت، فرب عملٍ صغير في أعين الناس عظيم عند الله.
وختامًا: أختي الكريمة استمري، لكن بحكمة، وامضِي بثبات، لا بعجلة، وبثقة بالله لا بنفسك، وتذكري أن الدعوة نور، والنور لا يضره أن يقف بعضهم مغمض العينين. ونسأل الله أن يجعلك مفتاح خير، ومغلاق شر، وأن يحفظك من الوهن، ويبارك في أثرك، ويكتب لك أجر الصابرين المصلحين.
روابط ذات صلة:
كيف أتعامل مع الانتقادات اللاذعة في طريق الدعوة؟
كيف أتخلص من حساسيتي تجاه النقد؟