الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : التوبة والإنابة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
151 - رقم الاستشارة : 4194
28/02/2026
أنا شاب محافظ على الصلاة، ولكني كنت مدمنًا على مشاهدة الإباحية، وقد عزمت على التوبة من ذلك من أول رمضان، وبالفعل امتنعت.
لكن المشكلة أني سواء قبل رمضان وفي رمضان بعد أن امتنعت عن المشاهدة، بمجرد أن أدخل للصلاة تلاحقني المشاهد القذرة التي كنت أراها، وأتذكرها في صلاتي والعياذ بالله، مهما حاولت نفضها عن ذهني!
والعجيب أن هذا التذكر لا يأتيني إلا وأنا في الصلاة. ماذا أفعل لأتخلص من هذه الهلاوس وأخشع في صلاتي وأنسى هذه المشاهد.
مرحبًا بك يا ولدي، وأشكرك على ثقتك بنا، وأسأل الله أن يتقبل توبتك، ويغسل حوبتك، ويطهر قلبك، ويحصن فرجك، وأن يثبتك على الحق حتى تلقاه وهو راضٍ عنك. هنيئًا لك هذه اليقظة الإيمانية في شهر الخير، فالعزم على التوبة في رمضان علامة على إرادة الله بك خيرًا، فاحرص وتمسك بحبل التوبة والرجوع إلى الله، وبعد...
معركة القلب والشيطان
إن ما تمر به يا ولدي هو ضريبة البدايات في طريق العودة إلى الله، وهي معركة طبيعية يخوضها كل تائب صدق في أوبته. فقلبك في الصلاة كبيتٍ كان مظلمًا مهجورًا، فلما أردت إضاءته بنور الطاعة، ثارت الأتربة التي كانت مستقرة فيه. فلا تنزعج ولا تيأس، فما هذه الهلاوس إلا خلجات الشيطان الذي آلمه أن يراك ساجدًا لرب العالمين بعد أن كنت أسيرًا لخطواته.
فهم طبيعة الوساوس
اعلم -يا ولدي- أن تذكر هذه المشاهد تحديدًا في الصلاة ليس صدفة، بل هو مكر مقصود من إبليس وجنوده عليهم لعائن الله. فقد روى عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها عليَّ، فقال رسول الله ﷺ: «ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثًا» [رواه مسلم].
وخنزب هذا وظيفته الأساسية هي إفساد لذة المناجاة. هو يدرك أنك تركت المعصية فعليًّا، فيحاول أن يبقيك فيها خياليًّا، ليحرمك أجر الخشوع، وليشعرك باليأس فتقول في نفسك: «لا فائدة من صلاتي وأنا أفكر في هذه القذارة»، فتركك الصلاة هو غايته الكبرى.
كيف نتخلص من الوساوس
في علم النفس، يقولون إنه كلما حاولت عدم التفكير في شيء، زاد حضورًا في ذهنك. فإذا قلت لك الآن: «لا تفكر في شيء ما»، فإن أول ما سيخطر ببالك هو هذا الشيء!
إذن، كيف تتخلص من هذه الوساوس؟
1- لا تنفعل: عندما تأتيك الصورة القبيحة في ذهنك، لا تضطرب ولا تقطع صلاتك.
2- لا تحاور الفكرة: لا تقل لنفسك: «لماذا أتذكر هذا الآن؟ أنا تبت! هذا عيب!».
3- الاستعاذة: استعذ بالله، واتفل عن يسارك (نفخ خفيف) كما وصّى النبي ﷺ، ثم أكمل قراءتك بتدبر.
يقول ابن القيم رحمه الله: «إن الشيطان بمنزلة الكلب العقور، فإذا استعذتَ بالله منه فقد استعذت بمالك الكلب، وهو القادر على كفِّه عنك».
4- تعمير القلب قبل الدخول في الصلاة: إن الصلاة ليست مجرد حركات تبدأ بتكبيرة الإحرام؛ بل هي حالة تبدأ قبل ذلك. فلكي تطرد تلك المشاهد، عليك بمزاحمتها بمشاهد أعظم، مثل:
- إسباغ الوضوء: واستشعر أن الذنوب تخرج مع قطر الماء، كما قال ﷺ: «خرجت خطايا وجهه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء» [رواه مسلم].
- تجديد التوبة: قبل التكبير، قل في نفسك: «يا رب، أنا آتٍ إليك هاربًا من ذنبي، فلا تطردني».
- استشعر العظمة: تذكر قول الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1-2]. والخشوع ليس مجرد سكون، بل هو استحضار عظمة من تقف أمامه. فهل يعقل أن ينشغل الواقف أمام ملك الملوك بصور قذرة؟ هذا الحياء من الله هو أعظم دافع للطرد.
5- غرس البدائل: إن القلب يشبه الوعاء، إذا ملأته بالقاذورات (المشاهد الإباحية لسنوات)، فلا يتوقع أن ينظف بمجرد تفريغه؛ بل يحتاج إلى صب ماء صافٍ بكثرة حتى يطرد القاذورات ويزيلها تمامًا، ومن هذا «الماء» الطاهر:
- تلاوة القرآن: اجعل لعينيك حظًّا من النظر في المصحف، لتمسح صور المعصية بصور الآيات.
- قصص الصالحين: اقرأ في سير الصحابة والتابعين، فالعقل الذي يمتلئ بأعمال وأخلاق وبطولات هؤلاء وعلمهم لن يجد متسعًا لقاذورات الإباحية.
6- الدعاء: وخصوصًا في السجود، تضرع إلى الله بصدق، وقل: «اللهم طهِّر قلبي من كل ما لا يرضيك، اللهم أرني الحق حقًّا وارزقني اتباعه».
وختامًا يا بني، إن رحلة تطهير القلب قد تأخذ وقتًا، فلا تملّ من طرق باب الله. هذه المشاهد التي تحضرك في الصلاة هي «ندوب» قديمة سيزول أثرها مع الوقت وكثرة السجود والدموع الصادقة.
تذكر أن الله يحبك، ويقبل عليك. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
فاللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلب ابننا على دينك، واصرف عنه همزات الشياطين، اللهم طهر مخيلته من كل سوء، واشغل قلبه بحبك وعظيم مناجاتك، واجعل قرة عينه في الصلاة، وتقبل منه صيامه وقيامه، واجعل رمضان هذا بداية عهد جديد ونقي معه، اللهم آمين.
روابط ذات صلة:
الإباحية اضطراب سلوكي أم انحراف أخلاقي؟
«الإباحية» تدمرني.. وسائل عملية للنجاة
كيف تتوب الجامعية من مشاهدة الأفلام الإباحية؟
أحب الله والقرآن لكني أضعف أمام المقاطع المحرمة.. فكيف أنجو؟