الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
147 - رقم الاستشارة : 5570
15/08/2026
اعمل في مجال التجارة عرض علي صفقة عبارة عن شعر آدميين يستخدم في وصل الشعر، وأمامي عملاء يطلبون مني هذا المنتج لاستخدامه في صنع الشعر المستعار، ووصل الشعر للسيدات والرجال، فهل يجوز لي التجارة في النوع من السلع، علما أن المورد لي والمشتري مني كلاهما غير مسلم.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وفي هذه الفتوى
سوف نبحث الحكم الشرعي للتجارة في شعر الإنسان الآدمي واستخدامه في أغراض وصل
الشعر وصنع الشعر المستعار، وبيان مدى تأثير كون أطراف المعاملة المورد والعملاء
من غير المسلمين على الحكم الفقهي لهذه التجارة.
اختصارًا: لا
يجوز شرعًا التجارة في شعر الآدميين بيعًا أو شراءً أو وساطة، سواء كان ذلك موجهًا
لرجال أو نساء، وسواء كان المتعاملون مسلمين أم غير مسلمين. وتتخلص أسباب الحرمة
فيما يلي:
الكرامة الإنسانية: حظر الشرع الشريف تحويل الإنسان أو أي جزء من جسده إلى سلعة تجارية
تُباع وتُشترى.
حرمة وصل الشعر بشعر آدمي: ثبت النهي الشديد واللعن عن النبي ﷺ في وصل الشعر بشعر الآدمي.
عموم التكريم البشري: الكرامة الإنسانية تثبت للآدمي كحق لإنسانيته، فلا يجوز بيع شعر غير
المسلم كما لا يجوز بيع شعر المسلم، ولا يجوز للمسلم مباشرة هذه التجارة أو
الإعانة عليها.
غير المسلمين مخاطبون بأحكام الشرع: جمهور العلماء على أن غير المسلمين مخاطبون بأحكام
الشريعة وإن لم يمتثلوا، فهم على أية حال من أمة الدعوة، ومن هنا لا ينبغي لمسلم
إعانتهم على ما يستحلونه من المحرمات.
وتفصيلاً:
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة وجماهير العلماء على عدم
جواز البيع والانتفاع بشعر بني آدم
عند الأحناف: جاء في «الدر المختار وحاشية ابن عابدين»
كتاب البيوع - باب البيع الفاسد، جـ 5، ص 58 «وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَعْرِ
الْإِنْسَانِ وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهِ؛ لِأَنَّ الآدَمِيَّ مُكَرَّمٌ لَا
مُبْتَذَلٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ مُهَانًا أَوْ
مَبْذُولًا».
وعند الشافعية: جاء في «المجموع شرح المهذب» للإمام
النووي جـ 9، ص 254: «شَعْرُ الآدَمِيِّ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَلَا الِانْتِفَاعُ
بِهِ، بَلْ يُدْفَنُ... وَسَوَاءٌ فِي حُرْمَةِ البَيْعِ شَعْرُ الْمُسْلِمِ
وَالْكَافِرِ لِكَرَامَةِ الآدَمِيِّ».
وجاء في باب وصل الشعر في «روضة الطالبين» جـ 1، ص 362:
«أَمَّا وَصْلُ الشَّعْرِ بِشَعْرِ الآدَمِيِّ فَهُوَ حَرَامٌ مُطْلَقًا،
لِحَدِيثِ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ».
وعند الحنابلة: جاء في «كشاف القناع عن متن الإقناع»
للبهوتي جـ 3، ص 153: «وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَعْرِ الآدَمِيِّ؛ لِكَرَامَتِهِ،
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وَلِأَنَّ
الآدَمِيَّ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ لَيْسَ بِمَالٍ».
وكذا عند المالكية: جاء في «مواهب الجليل في شرح مختصر
خليل» للحطاب جـ 4، ص 262: «لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَجْزَاءِ الآدَمِيِّ كَشَعْرِهِ
وَسَائِرِ أَجْزَائِهِ؛ لِحُرْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ».
الفتوى المعاصرة
في حكم بيع وشراء شعر الآدمي:
أكدت الفتاوى المعاصرة كدار الإفتاء المصرية واللجنة
الدائمة للإفتاء بالسعودية أن شعر الإنسان ليس مالاً متقومًا يجوز الاستثمار فيه
أو عقود المعاوضة عليه، وأن حرمة بيع أجزاء الآدمي حرمة عامة تشمل المسلم وغير
المسلم، ولا يحل للمسلم الدخول في تجارة تُعين على ابتذال أجزاء الإنسان أو وصل
الشعر المحرم.
القواعد الفقهية
الحاكمة في حكم بيع وشراء شعر الآدمي
قاعدة: «الآدمي مكرم فلا يباع ولا يُبذل شيء من أجزائه»
أصلها: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
[الإسراء: 70] فالإنسان بجميع أجزائه وخلاياه وشعره خارج عن نطاق المالية
والسلعية، فلا يصح أن يكون محلًا لعقود التجارة والمعاوضة المالية.
قاعدة: «إذا حَرَّمَ اللهُ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ»
في الحديث الشريف: «إنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ
بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ... وَإِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ
شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ» متفق عليه، ولما كان الانتفاع بشعر الآدمي بالوصل أو
التصنيع والتكسب به محرمًا، فإن البيع والشراء فيه وأخذ الثمن عليه محرم تبعًا.
قاعدة: «الإعانة على المحرم محرمة»
أصلها: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ
وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وتجارة المسلم في تزويد العملاء بشعر الآدميين تُعد
إعانة مباشرة على عمل حظرته الشريعة، ولا يغير من ذلك كفر البائع أو المشتري؛ لأن
المسلم مخاطب في أفعاله وتجارته بأحكام الشريعة الإسلامية.
قاعدة: «الكرامة الإنسانية شاملة لأصل الجنس البشري»
مقتضاها: التكريم الإلهي للآدمي يشمل مطلق بني آدم ولا
يختص بمسلم دون غيره في حرمة ابتذال أجزاء جسده أو الاتجار بها. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: