الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
21 - رقم الاستشارة : 6107
13/10/2026
ما الحكم الشرعي في والد له ابن كبير وبنتين وهذا الولد هو الذي كان يساعد والده في زراعة الأرض ورعايتها وكان يأخذ أجره عن ذلك وأخواته البنات هن من تعلمن حتى الجامعة وأخوهم يريد من أبيه أن يحرمهم من ميراث الأرض الزراعية عوضًا عن حرمانه من التعليم لرعاية الأرض، أما فيما عدا ذلك تقسم باقي التركة كما في الشرع؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن العدل
بين الأولاد لهو من أعظم القربات التي أمر بها الإسلام، وهو صمام الأمان لحفظ
المودة وبقاء الرحم متصلة بين الإخوة، وقد تولى الله سبحانه وتعالى قسمة المواريث
بنفسه، وجعلها فريضة محكمة لا يجوز التلاعب بها أو التحايل عليها لإرضاء طرف على
حساب آخر. ومطالبة أحد الأبناء بحرمان إخوته من حقهم الشرعي بناءً على تبريرات
شخصية أو حسابات دنيوية هي مسلك خطير، يفتح أبواب الشقاق ويزرع بذور القطيعة التي
حذر منها الشرع الحنيف.
اختصارًا:
لا
يجوز شرعًا للأب أن يطاوع ابنه في حرمان أخواته البنات من ميراثهن في الأرض
الزراعية بحجة أنه لم يتعلم وأنهن أكملن تعليمهن؛ فهذا طلب ظالم وتعدٍّ على حدود
الله، فما دام الابن قد تقاضى أجره على عمله في الأرض، فقد أخذ حقه الدنيوي عن
جهده، ولا يجوز له أن يطالب بثمن إضافي يقتطع من حق أخواته الشرعي. ويجب على الأب
أن يتقي الله ويعدل بين أولاده في العطية حال حياته، ولا يورثهم العداوة بعد
مماته، وإن دعت الحاجة الماسة لتخصيص الابن بشيء، وجب أن يكون ذلك مقدرًا بقدره،
مع استرضاء البنات وتطييب خاطرهن سدًّا لذريعة قطيعة الرحم.
تفصيلاً:
بناءً
على المعطيات المذكورة، نناقش هذه المسألة تفصيلاً من خلال المحاور التالية:
أولاً:
الأصل في تصرف الإنسان في ماله حال الصحة:
من
المقرر فقهًا أن للإنسان حرية التصرف في ماله حال صحته وكمال أهليته، بالبيع أو
الهبة أو الصدقة، ولكن هذا التصرف منوط بـ "النية والمصلحة المعتبرة شرعًا".
فإذا أراد الأب أن يهب أحد أبنائه شيئًا، وجب عليه العدل بينهم، لحديث النعمان بن
بشير رضي الله عنهما، حين أراد أبوه أن يخصه بعطية دون إخوته، فقال له النبي ﷺ:
«أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟» قال: لا، فقال ﷺ: «اتَّقُوا اللَّهَ
وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ»، فرجع أبوه فرد تلك العطية، فلا يحل للأب أن
يُميِّز ولداً على آخر إلا لمسوّغ شرعي كمرض، أو عجز، أو فقر مدقع، أو دين، أما
تمييزه بنية حرمان الآخرين أو استجابة لضغوط الابن، فهو تصرف باطل ديانةً ويأثم
فاعله.
ثانيًا:
اختلاف الحكم باختلاف حال الابن واختياراته:
إن
تذرع الابن بحرمانه من التعليم ليرعى الأرض يفتقر إلى التدقيق في واقعه التاريخي؛
فكثيرًا ما يبذل الآباء جهدهم لتعليم أبنائهم الذكور، ولكن الابن قد يرفض التعليم
في صغره ويهرب منه تفضيلاً للعمل الميداني أو استثقالاً للدراسة. فإن كان تسربه من
التعليم هو "تصرفه المحض" وقراره الشخصي، فلا يجوز شرعًا ولا عقلاً أن
يُحمِّل أخواته ثمن اختياراته الخاطئة أو تقصيره. يقول الله تعالى: {وَلَا تَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}، فكيف تُعاقب البنات بالحرمان من الميراث جزاء
اجتهادهن وتفوقهن، ليُكافأ هو على تركه للتعليم؟!
ثالثًا:
مسألة الأجر وتكييف عمل الابن مع أبيه:
يجب
النظر في طبيعة عمل الابن؛ فقد ذُكر أنه "كان يأخذ أجره عن ذلك". وهنا
نكون أمام حالة من اثنتين:
إن
كان يأخذ أجر المثل أو أكثر: باعتبار أنه كان يتقاضى راتبًا مقابل عمله، مضافًا
إليه سكنه ومأكله ومشربه ونفقته في كنف أبيه، فهو هنا في حكم "الأجير"
الذي استوفى حقه. والقاعدة أن الأجر لا يجتمع مع تملك العين، فبأي حق شرعي يطالب
الآن بزيادة عن حقه في الميراث؟ لقد باع جهده وقبض ثمنه، ومطالبته بالأرض الآن هي
أكل لأموال أخواته بالباطل.
إن
كان يأخذ أجره مثل الغريب دون ميزات إضافية: حتى في هذه الحالة، منطق العقل والشرع
يسأل: ما الذي حصلت عليه البنات زيادة حتى يدفعن ضريبة تعليمهن من مالهن الخاص؟
لقد أنفق الأب على تعليم بناته من ماله الخاص، وهذا واجبه كأب تجاه أبنائه جميعًا.
وفي واقع مجتمعاتنا، نادرًا ما تحظى البنات بحظوة استثنائية على الذكور تُجبر الأب
على إرسالهن للمدارس وحرمان ابنه الذكر. إن تفوقهن هو ثمرة اجتهادهن، وتهرب الابن
هو نتيجته التي يجب أن يتحملها وحده دون تعدٍّ على أنصبة المواريث.
رابعًا:
الحكمة في معالجة الأمر ودرء مفسدة قطيعة الرحم:
يعود
الأمر في النهاية إلى عقل الوالد وحكمته. يجب على الأب ألا يستجيب لطلب الابن في
"حرمان" أخواته من الأرض الزراعية مطلقًا، فإن فعل فقد ارتكب خطأ كبيرًا
بتعديه على حدود الله القائل: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ
أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ}.
ولكن،
إن رأى الأب الحكيم أن هناك حاجة ماسة لهذا الابن كأن يكون مستواه المعيشي ضعيفًا
جدًّا، أو أن الأرض تمثل مصدر رزقه الوحيد ولا يملك حرفة غيرها، فيمكن للأب أن
يخصص له قطعة أرض صغيرة في حياته كهبة منجزة لتأمين مستقبله، مع إبقاء أصل التركة
ليُقسم شرعًا.
ويُشترط
في هذا التخصيص أن يكون معقولاً، ويُستحب استحبابًا مؤكدًا أن يجلس مع بناته،
ويستسمحهن في ذلك، ويشرح لهن ظروف أخيهن، ويطيب خاطرهن، لقوله ﷺ: «لا يَحِلُّ
مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ». فإذا وافقن عن رضا وطيب
خاطر، كان ذلك أدعى لدوام المحبة، وسدًّا لباب الشقاق وقطيعة الرحم بعد وفاة الأب،
فإن الأخوّة كنز لا يعوضه مال الأرض كلها.
القواعد
الفقهية الحاكمة في تفضيل الابن على أخواته لعمله في مهنة والده:
لا
ضرر ولا ضرار: لا يجوز للابن الإضرار بأخواته، ولا للأب أن يضر
بورثته.
العدل
بين الأولاد واجب في العطية، والمفاضلة تُباح للحاجة المعتبرة: كمرض
أو فقر، وليس مكافأة على ترك التعليم.
الجواز
الشرعي مقيد بعدم قصد الإضرار: تصرف الأب في ماله حال صحته جائز، لكن إن
قُصد به التهرب من توريث البنات بَطُل ديانةً.
الساقط
لا يعود: ما قبضه الابن من أجر مسبق مقابل عمله أسقط حقه في المطالبة بتعويض جديد عن ذات
الجهد.
درء
المفاسد مقدم على جلب المصالح: منع قطيعة الرحم والعداوة بين الإخوة
مفسدة مقدم على إرضاء طمع الابن وهي مصلحة موهومة. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
فلسفة الإسلام في تقسيم المواريث ودعوى ظلم المرأة