حكم شراء السلعة ورهنها عند بائعها

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. ماهر السوسي
  • القسم : المعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 9
  • رقم الاستشارة : 6083
08/10/2026

فضيلة المفتي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

اشتريت سيارة من أحد البنوك الإسلامية بالتقسيط، وطلب البنك رهن السيارة عنده مقابل الأقساط المترتبة عليَ من ثمنها، ولما علم بعض أصدقائي بذلك قالوا لي إن الرهن محرم في الشريعة الإسلامية، فعجبت من قولهم، إذ إن معاملتي كانت مع بنك إسلامي، وإن القائمين على البنك لا يجهلون الأحكام الشرعية المترتبة على معاملاتهم.

ولكن بقي عندي شيء من الشك يريبني، فأحببت أن أرجع إلى فضيلتكم لأستعلم الأمر، وكي تزول ريبتي، فهل ما قيل لي من أن الرهن حرام هو صحيح؟ أم أن الأمر غير ذلك؟

الإجابة 08/10/2026

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

 

السائل الكريم حفظه الله: إن الريبة التي أوقعك فيها أصحابك قد نتجت عن عدم تمكن الكثير من الناس من التفرقة ما بين الرهن والمراهنة؛ فأحدهما حلال، والآخر حرام، وحتى تزول ريبتك فلا بد من بيان حقيقة كل من هاتين المعاملتين على النحو التالي:

 

أولاً: الرهن:

 

الرهن في لغة العرب هو الحبس، تقول: (رهنت فلانًا عندي)، أي: حبست، ومنه قول الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ﴾، أي: كل نفس مرتبطة بعملها، ومحبوسة عليه، إن خيراً فخير، وإن كان خلاف ذلك فهي محبوسة به.

 

أما في الشرع فالرهن حبس مال يخص المدين عند الدائن (صاحب الدين) يرده إليه عندما يستوفي دينه، أو يبيعه إذا لم يقدر المدين على الوفاء بالدين فيسترد دينه منه.


يعني لو أن شخصًا قد استدان من صديقه مالاً، فإن لصديقه الحق في أن يطلب منه شيئًا يرهنه عنده كضمانة للوفاء بالدين، ويرده إليه عندما يوفي بدينه، أو يبيعه ويأخذ من ثمنه دينه إذا تعذر على المستدين الوفاء.

 

وبهذه الصورة يكون الرهنُ عقدًا من عقود توثيق الدين، وهذا مباح في شريعة الإسلام، وقد وجّه الله تعالى الناس إليه في آية المداينة، حيث قال عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ﴾، فالآية دليل في توثيق الديون، والرهن كما ذكرت هو وسيلة من وسائل توثيق الدين وحفظه.

 

وبناء على ذلك فالرهن في الشريعة الإسلامية جائز، ودليل جوازه قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ﴾، يعني إذا استدان أحدكم دَينًا وكنتم غير قادرين على كتابته بسبب السفر أو أي سبب آخر، فإنه يمكنكم توثيق هذا الدين بالرهن.

 

ومن الأدلة التي تدل على جواز الرهن أيضًا ما ورد في كتب الحديث من أن النبي ﷺ قد تُوفي ودرعه مرهونة عند يهودي.

 

هذا، وقد أبيح الرهن من أجل ضمان حقوق الدائنين، وعدم جحد أموالهم، وإدخال الطمأنينة والسكون إلى قلوبهم إذا علموا أن أموالهم مضمونة عليهم، وبذلك يضمن المشرع وجود فئة من الأغنياء الذين يمكنهم مداينة المحتاجين؛ ذلك أن الدين أمر لا بد منه، وأن هذه المعاملة فيها تيسير على الفقراء والمعوزين، وهي عمل من أعمال البر، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ﴾.

 

ثانيًا: الرهان:

 

والرهان أو المراهنة من التخمين والتحزير، بحيث يتراهن اثنان أو أكثر على من سيفوز من الفريقين في مباراة معينة، أو من سيسبق من العدائين في السباق القائم، أو إلى أي مبلغ سيصل سعر الذهب مثلاً في البورصة في اليوم الفلاني.

 

وقد تكون المراهنات مقتصرة على أفراد معينين، يتراهنون بمفردهم، أو تقوم به شركات مختصة بالمراهنات، وفي كلا الحالتين لا بد لمن يشارك في هذا الرهان أن يبذل قدرًا معلومًا من المال، بحيث يكون هذا المال المدفوع من الجميع من نصيب من يحزر نتيجة الشيء المتراهن عليه.

 

والمراهنة بهذا الوصف هي نوع من أنواع القمار كما هو ظاهر منها؛ لأن الربح فيها مبني على التخمين والتنبؤ بالغيب، وهذا أمر منهي عنه في الإسلام؛ ذلك أن الغيب من خصوصيات الله تعالى، لا يعلم به أحد سواه، يقول الله تعالى: ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ﴾ فالآية الكريمة دليل صريح على أن أحدًا لا يمكنه أنه يعلم الغيب؛ لذلك فإن المراهنات إنما تقوم على مجرد الحدس والتخمين، ولا إعمال للعقل فيها.

 

ـوالمراهنة بهذا الوصف محرمة؛ لأنها مبنية على أمر بين الله أنه لا يقدر عليه أحد كما في الآية السابقة، كما أن النبي ﷺ قد نهى عن إعمال العقل في أمور الغيب، حيث قال عليه الصلاة والسلام: "تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله"؛ ذلك أن ذات الله تعالى لم يرَها أحد في الدنيا، فهي غيب، ولا يمكن للعقل أن يتعرف على ما لم يحظ به علمًا.

 

ومن أسباب تحريم المراهنة:

 

1. أنها تشبه القمار الذي نهى الله تعالى عنه في قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾، والميسر هو القمار كما ذكر المفسرون، وقد دلت الآية على وجوب اجتنابه وعدم قربانه؛ وما كان ذلك إلا لحرمته، حيث لا ينهى المشرع إلا عما حرمه على العباد.

 

2. المراهنة فيها أكل لأموال الناس بالباطل؛ ذلك أن الرابح للمال لم يبذل أي جهد إلا أنه قام بالتحزير والتخمين الذي لا يفيد شيئًا في علم الغيب –كما أسلفت- وبالتالي فمن فاز فإنه قد فاز بناء على موافقة قدر الله تعالى لا أكثر ولا أقل، بغير علم عنده؛ لأنه كما ذكرنا في الآية سابقًا لا يعلم الغيب إلا الله تعالى، وهذا احتمال يساوي احتمال خسارته بالضبط، ومعلوم أن أكل أموال الناس بالباطل محرم لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾.

 

3. إن المراهنة تؤدي إلى إشعال النزاعات بين المتراهنين؛ ذلك لما فيها من أكل أموال الناس بالباطل -كما ذكرت- ولأن الخاسر يظن أن خصمه قد أخذ ماله بدون أدنى تعب أو مشقة، وقد حرّم الله تعالى النزاع بين المسلمين، حيث قال جل اسمه: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾، وهذا نص صريح في نهي المسلمين عن النزاع والشقاق.

 

4. إن الربح عن طريق المراهنة قد يمنع من العمل الحلال، ويؤدي إلى الكسل والتراخي؛ ذلك أن كسب المراهنة كسب سهل مريح، يغري باتخاذه حرفة يحترفها من لا همة له ولا عزم على العمل الحلال، وبذا ينشأ في المجتمع فئة من الناس ذات طابع سلبي، لا تفيد في شيء، تهدر طاقاتها فيما لا نفع للناس فيه، ومن ثم تنشأ فئة من العاطلين الذين يكونون عالة على غيرهم لو خسروا أموالهم بسبب المراهنة.

 

السائل الكريم: أظنك الآن قد عرفت الفرق بين الرهن المشروع، والمراهنة التي حرمها الله تعالى، وعرفت أن طلب البنك منك أن ترهن السيارة التي اشتريتها منه بالتقسيط هو معاملة حلال كما بينت ذلك لك بالدليل، وعليه فإنني أعتقد أن الريبة التي في نفسك قد زالت، وأنك مطمئن إلى أن لم تعصَ الله تعالى. وأخيرًا فإنني أسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد.


روابط ذات صلة:

بيع الرهن إلى الراهن.. مخرج شرعي أم حيلة ربوية؟

حكم انتفاع البنوك الإسلامية بالرهن

حكم انتفاع المرتهن بالعين المرهونة

التعليقات

الرابط المختصر :