حين يتحول العقاب إلى مأساة.. رسالة أمينة تحذر من العنف ضد الأطفال!!

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. أميمة السيد
  • القسم : الأطفال
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 82
  • رقم الاستشارة : 6053
05/10/2026

السلام عليكم د. أميمة

أنا متابعة استشاراتك التربوية على بوابة الاستشارات لمجلة المجتمع الكويتية.

ده سبب انى فضلت أبعت الرسالة ديه لكل الناس من خلالك، بمناسبة انتشار فيديو لمعلمة بتضرب طفل صغير ضرب قاسي وكان بيتوسل لها وكانت لابسة لون أصفر.

لعلها تكون ناقوس خطر وعبرة وعظة لكل معلم ومعلمة عنده غلظة في معاملة التلاميذ في أي مرحلة تعليمية وخصوصا للأطفال الأبرياء.

فأرجو نشرها بدون اسمي من فضلك لأن ناس كتير تعرفني وبيني وبين حضرتك عشرات الأصدقاء المشتركين، لأني محرجة جدا مما حدث.

من حوالي ٣٠ سنة، أنا وأختي الكبيرة كنا معلمات لأطفال، لكن أختي كانت قاسية جدا في عقابها وبتضربهم ضرب مبرح وبتكسر العصا عليهم، لدرجة الأطفال كانوا رغم ضعف أجسادهم بيخافوا يصرخوا من الرعب منها.

كنت بشوف قسوتها عليهم وأحاول منعها كانت تنهرني وتقولي ملكيش دعوة وتخرجني بالإجبار، ولأني فشلت في ردها عن الافتراء ده، اضطريت أبلغ عنها الإدارة، فاتوقفت عن العمل، وكانت نيتي أن أردها عن الظلم.

بعد ما ربنا هدى أختي بحوالي ١٥ سنة تزوجت وأنجبت ولدا.. لكن العجيب أنها كانت بتضربه بنفس الطريقة العنيفة القاسية. كنت بعنفها وأقولها حرام عليكي وأفكرها بضربها للأطفال بافتراء، فسبحان الله كانت دايما تقول: "أهوه ربنا مسلطني على ابني بذنب الأطفال، ومش عارفة ليه بضربه كده"!

وفي مرة من المرات أختي ضربت ابنها بعصا على رأسه وظهره بقوة أفقدته الحركة تماما وسببت له شلل رباعي، حاولنا نعالجه لسنوات بعدها لكن للأسف بدون فائدة.

ولأنها كانت زوجة تانية فزوجها لم يهتم وكان عايش معظم الوقت مع زوجته الأولى وأبنائه الكبار ومنغمس في مشاكلهم.

بسبب الحادثة ديه وشعور أختي بالذنب مع إهمال زوجها لها، مرضت مرض شديد واتعذبت في المرض وجرعات الكيماوي سنين وبعدها توفاها الله.

أختي توفيت من عدة سنوات وابنها عنده حاليا ١٤ سنة، طبعا ملهوش حد غيري، فأنا متحملة مسؤوليته ورعايته.

أنا بكتب لحضرتك الرسالة ديه لأكثر من سبب:

أولا: أحذر كل حد من العنف وخاصة مع الأضعف منه، أيا كان كبيرًا أو صغيرًا، والتحذير لمدرسين المدارس بالتحديد بعد واقعة العنف من المعلمة للطفل.. لأن أبناء الناس أمانة معاهم، وأن مهما طالت السنين ربنا يمهل ولا يهمل.

ثانيا: أحذر كل أم وأب أنهم لا يتركوا أبنائهم بدون متابعة، لازم يتابعوهم، ولو عرفوا أن فيه مدرس بيفتري على أولادهم لازم يهتموا ويسلكوا الطرق القانونية ويحموا أطفالهم.

ثالثا: علشان كل من يقرأ القصة يدعي لعبد الله ابن أختي بالشفاء واللطف وأن ربنا يعينني على رعايته.

والأهم كمان يدعون لأختي بالرحمة والعفو، وأرجو محدش يدعي عليها لأن ربنا خلص منها في ابنها ونفسها وصحتها سنين طويلة وهي استغفرت ربنا كتير وكانت بتصوم وبتخرج صدقات كتير بنية إن ربنا يسامحها وإن شاء الله يكون ربنا عفا عنها، ولعل قصتها ديه تكون سبب في إنقاذ أطفال كثيرين من العنف وأنها تباعد بين أختي وبين النار.

وأعتذر عن الإطالة.

الإجابة 05/10/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

 

أختي الكريمة، بداية أهلاً بك معنا عبر بوابة الاستشارات الإلكترونية لمجلة المجتمع.

 

قرأت رسالتك الموجعة جدًّا هذه، وأنا أرى فيها خوفًا صادقًا على الأطفال، ومسؤولية إنسانية كبيرة.. قرأتها بقلب مثقل بالألم، ليس فقط لما حدث في الماضي، وإنما لأنك عشت بنفسك مشهد العنف، وحاولت منعه، ثم وجدت نفسك بعد سنوات أمام نتائجه المؤلمة في طفل بريء، أصبحت اليوم أنت من يحمل مسؤوليته ويرعاه.

 

وأول ما أريد قوله لك: لا تحملي نفسك ذنبًا لم تكوني أنت سببه. أنت حاولت، ونصحت، ثم أبلغت الإدارة عندما عجزت عن إيقاف الأذى، وهذا موقف يحسب لك لا عليك.

 

واليوم أنت تواصلين هذا الموقف برعاية عبد الله بن أختك والقيام على شأنه، فأسأل الله أن يجعل رعايتك له بابًا عظيمًا من أبواب الأجر لك.

 

أما قصة أختك فهي بالفعل تحمل رسالة شديدة الخطورة، لكنني أحب أن نتعامل معها تربويًّا وإيمانيًّا دون أن نحولها فقط إلى قصة عن "الانتقام الإلهي". فنحن لا نستطيع أن نجزم بأن مرضها أو ما أصابها كان عقوبة محددة على ما فعلته، فهذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وإنما نستطيع أن نقول إن الظلم له عواقب، وإن الإنسان قد يرى بعض آثار أفعاله في الدنيا، وقد يؤخر الله الحساب إلى الآخرة.

 

قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ}، وقال أيضًا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}.

 

والرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى كل معلم ومعلمة هي: أن الطفل ليس جسدًا ضعيفًا وينبغي ألّا نفرغ فيه غضبنا فحسب، وإنما هو إنسان له كرامته ومشاعره وأمانته التي استودعها أهله في المؤسسة التعليمية.

 

ومن منظور علم النفس التربوي:

 

فإن الضرب والإهانة لا يصنعان انضباطًا حقيقيًا، وإنما قد يصنعان الخوف السلوكي Behavioral Fear؛ أي أن الطفل قد يتوقف عن السلوك أمام الشخص الأقوى، لكنه لا يتعلم بالضرورة الصواب، بل قد يتعلم الكذب، والإخفاء، والعدوان، وفقدان الثقة في الكبار.

 

والأهم هنا أن التربية لا تعني إطلاقًا أن نترك الطفل بلا حدود. بل إن الطفل يحتاج إلى الانضباط التربوي، لكنه يحتاج أيضًا إلى انضباط قائم على الوضوح والثبات والعواقب التربوية المناسبة، لا على الإيذاء والإذلال.

 

وهنا أؤكد على نقطة مهمة جدًّا: كما أننا كأولياء أمور مطالبين بتعليم أبنائنا احترام المعلم، والاستماع إليه، والالتزام بقواعد المدرسة، وعدم الإساءة إليه، فإن المعلم أيضًا مطالب باحترام الطفل ورحمته وحفظ كرامته. فالاحترام لا يسير في اتجاه واحد في المؤسسة التعليمية وفي جميع المؤسسات والأماكن.

 

نحن نربي أبناءنا على أن المعلم صاحب رسالة، وهذا صحيح، لكن صاحب الرسالة نفسه يجب أن يتذكر أن الرحمة جزء من هذه الرسالة.

 

وقد قال رسول الله ﷺ: "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا"، كما قال ﷺ: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه".

 

لذلك، على الأسرة ألا تكتفي بسؤال الطفل: "هل ضربك المعلم؟"، وإنما تسأله أيضًا عن يومه، ومشاعره، وطريقة تعامل المعلمين معه، وأن تلاحظ أي تغير مفاجئ في سلوكه أو نومه أو خوفه من المدرسة أو تراجعه الدراسي.

 

هذه المتابعة ليست تشكيكًا في المدرسة، وإنما متابعة الوالدين التي تحمي الطفل نفسيًّا وبدنيًّا، وتبقي جسرًا مفتوحًا بين الأسرة والمؤسسة التعليمية.

 

وفي المقابل، إذا تعرض الطفل لعنف أو إهانة، فينبغي للأسرة ألّا تتعامل مع الأمر بانفعال أو انتقام أو تشابك مباشر مع المعلمين الذين أخطأوا، وإنما بالتوثيق، والتواصل مع الإدارة، واتباع الإجراءات القانونية والرسمية التي تكفل لطفلهم الحماية ومحاسبة المخطئ.

 

أما عبد الله، فأدعو الله من قلبي أن يحيطه باللطف والرحمة، وأن يمنحه من القوة والسكينة ما يعوضه عن سنوات الألم، وأن يجعل لك في رعايته أجرًا عظيمًا.

 

وهو في الرابعة عشرة من عمره الآن، ولذلك فهو لا يحتاج إلى الشفقة وحدها، بل يحتاج إلى أن يشعر بأنه إنسان له قيمة، وله صوت، وله حق في الاحترام، وأن إعاقته لا تلغي إنسانيته ولا تقلل من قدره.

 

وأرجو منك أيضًا ألا تجعلي حياته كلها تدور حول الحادثة التي أصابته؛ ساعديه على بناء حياته بما يستطيع، واكتشاف قدراته، وتكوين علاقاته، والشعور بأنه محبوب لذاته لا لأنه ضحية حادث قديم.

 

وأما أختك، فنسأل الله لها الرحمة والمغفرة، ولا نملك أن نحكم على مصير أحد. إن كانت قد ندمت واستغفرت وتصدقت وسعت إلى التكفير عما فعلت، فباب رحمة الله أوسع من ذنوبنا جميعا، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}. وينبغي ألّا تتحول قصة مؤلمة كهذه إلى باب للشماتة، وإنما إلى باب للعبرة والإصلاح وحماية الأبرياء.

 

همسة أخيرة:

 

أختي الكريمة، ربما لا نستطيع أن نغير ما حدث لعبد الله، لكن نستطيع أن نجعل ما حدث له سببًا في ألّا يحدث مثله لطفل آخر. فإذا خرج من هذه القصة معلم أكثر رحمة، وأب أكثر متابعة، وأم أكثر انتباهًا، ومؤسسة أكثر حماية للأطفال، فقد تحولت المأساة إلى رسالة إنقاذ.

 

أسأل الله أن يشفي عبد الله شفاءً يليق بكرمه، وأن يلطف به، وأن يجزيك خيرًا عن رعايتك له، وأن يرحم أختك ويغفر لها، وأن يجعل هذه القصة سببًا في نجاة أطفال كثيرين من العنف والأذى اللهم أمين.

 

روابط ذات صلة:

كيف أتعامل مع معلمة تتعمد إهانة ابني؟!

هل الضرب يعوق النمو الأخلاقي للطفل؟! 

روابط ذات صلة:

كيف أتعامل مع معلمة تتعمد إهانة ابني؟!

هل الضرب يعوق النمو الأخلاقي للطفل؟!

التعليقات

الرابط المختصر :