حين يتحول الهاتف إلى منبر.. كيف يصنع الداعية حضورًا إلكترونيًّا رشيدًا؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : الدعوة الإلكترونية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 21
  • رقم الاستشارة : 5996
29/09/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب أعمل في مجال الدعوة، ولدي حسابات على عدد من منصات التواصل الاجتماعي، وأنشـر فيها مقاطع قصيرة تتعلق بالقرآن والسنة والأخلاق والقضايا الاجتماعية. في البداية كنت أنشـر ما أراه نافعًا دون اهتمام كبير بالأرقام، لكن مع مرور الوقت بدأت ألاحظ أن المقاطع التي تحقق مشاهدات كبيرة ليست دائمًا هي الأكثر علمية أو عمقًا، بينما المقاطع التي أبذل فيها جهدًا علميًّا كبيرًا لا تحقق انتشارًا كبيرًا.

وبدأت أشعر أنني مضطر إلى تغيير أسلوبي حتى أستطيع المنافسة؛ فأصبحت أختصر الموضوعات المعقدة جدًّا في أقل من دقيقة، وأستخدم عناوين مثيرة، وأحيانًا أشعر أنني أقدم معلومة صحيحة ولكن بصورة تجعلها أقرب إلى «الترند» منها إلى التعليم والدعوة.

كما أنني أواجه مشكلة أخرى؛ وهي أن بعض المتابعين يرسلون إليّ أسئلة فقهية وعقدية ونفسية واجتماعية شديدة التعقيد، ويتوقعون مني الإجابة عنها في تعليق أو رسالة قصيرة، وأحيانًا أجد نفسي تحت ضغط الرد السريع.

وفي الفترة الأخيرة بدأت أستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد الأفكار والعناوين والتلخيص، لكنها أحيانًا تقدم لي معلومات غير دقيقة أو أحاديث لا أعرف درجتها، ولذلك أصبحت أخشى أن أنشر شيئًا غير صحيح.

أريد منكم أن تضعوا لي منهجًا عمليًّا للدعوة الإلكترونية: كيف أوازن بين العلم والانتشار؟ وكيف أستفيد من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي دون أن أفقد شخصية الداعية أو أنشـر معلومات غير موثقة؟ وكيف أحول حسابي من مجرد صفحة تنشـر مقاطع إلى مشروع دعوي حقيقي له أثر؟

الإجابة 29/09/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي الكريم، وبارك الله في حرصك على أن تكون الدعوة عبر الوسائل الحديثة دعوة نافعة لا مجرد حضور إعلامي.

 

وأحب أن أضع أمامك قاعدة مركزية: المنصة وسيلة، وليست هي الرسالة، والأرقام مؤشر، وليست هي المعيار الوحيد للنجاح الدعوي.

 

لقد أصبح الهاتف اليوم منبرًا مفتوحًا يصل إلى آلاف الناس، ولذلك فإن مسؤولية الداعية فيه كبيرة جدًا؛ لأن الكلمة التي تُقال في مجلس قد يسمعها عشـرون، أما الكلمة التي تُنشـر إلكترونيًّا فقد تصل إلى مئات الآلاف، وقد تبقى سنوات، وقد تُقتطع من سياقها وتُعاد مشاركتها. ولهذا قال النبي ﷺ: (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا).

 

ومن هنا ينبغي أن تعيد تعريف النجاح.

 

فليس كل مقطع حصل على مليون مشاهدة نجاحًا دعويًّا، وليس كل مقطع حصل على ألف مشاهدة فاشلاً.

 

والنجاح الحقيقي هو أن تصل الرسالة الصحيحة إلى الجمهور المناسب، وأن تُحدث أثرًا صالحًا في حياة الإنسان. ولذلك اجعل عندك ثلاثة مؤشرات: جودة المحتوى، ووصوله إلى الفئة المستهدفة، وأثره العملي.

 

وأنصحك بأن تجعل حسابك قائمًا على «سلاسل» لا على مقاطع متفرقة.

 

فبدل أن تنشـر اليوم عن الصلاة وغدًا عن الزواج وبعده عن الذكاء الاصطناعي وبعده عن موضوع سياسي، اجعل لكل شهر محورًا. وليكن مثلًا: «كيف نبني علاقتنا بالقرآن؟» ثم تنتج عشـر حلقات مترابطة، أو «فقه الحياة اليومية»، أو «أسئلة الشباب»، أو «الإسلام والأخلاق». وبذلك يصبح المتابع أمام مشروع تعليمي لا أمام تدفق عشوائي للمعلومات.

 

أما العناوين الجذابة، فلا بأس بها ما دامت صادقة ولا تقوم على الخداع. يمكنك أن تقول: «ثلاثة أخطاء تفسد علاقتك بالصلاة»، لكن لا تقل: «هذا السـر الذي أخفاه العلماء عنك!» إذا لم يكن هناك سر أصلًا.

 

فالإثارة الكاذبة قد تجلب المشاهدة، لكنها تضعف الثقة، والداعية لا يبيع منتجًا؛ وإنما يبني علاقة ثقة.

 

وأما الاختصار، فليس المشكلة في أن تختصـر، وإنما المشكلة أن تختصر ما لا يحتمل الاختصار. بعض المسائل يمكن تقديمها في دقيقة، وبعضها يحتاج إلى عشر دقائق، وبعضها يحتاج إلى سلسلة كاملة، وبعضها لا يصلح أصلًا للمقاطع العامة، وإنما يحتاج إلى سؤال وجواب متخصص. والفقه في هذه المسألة هو أن تعرف حجم الرسالة وحجم الوسيلة.

 

أما الأسئلة الخاصة التي يرسلها الناس إليك، فأنشئ لها مسارًا واضحًا. قل للمتابعين إن الأسئلة العامة المختصرة يمكن تناولها في محتوى عام، أما القضايا الخاصة أو الفقهية الدقيقة فتحتاج إلى إحالة إلى أهل الاختصاص. ولا تجعل صندوق الرسائل الخاص بك يتحول إلى عيادة فقهية أو نفسية مفتوحة دون ضوابط.

 

وأما الذكاء الاصطناعي، فاستفد منه في العصف الذهني، وبناء الخطط، واستخراج الأفكار، وتحويل الموضوعات الطويلة إلى محاور، وتحسين الصياغة، وإعداد الأسئلة، واقتراح العناوين، ولكن لا تجعله مصدرًا نهائيًا للحكم الشرعي. في المحتوى الشرعي خصوصًا يجب أن يكون لديك مبدأ: لا نشر قبل التحقق.

 

فإذا أعطاك أداة ذكاء اصطناعي حديثًا، فابحث عن مصدره في دواوين السنة، وتحقق من صحته، وإذا نقلت قولًا لعالم فتثبت من نسبته إليه، وإذا نقلت آية فراجعها من المصحف.

 

وهذه ليست مسألة تقنية فحسب، وإنما هي أمانة شرعية؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فإذا كان التثبت مطلوبًا في خبر الإنسان، فهو أولى في نسبة الكلام إلى الله ورسوله ﷺ.

 

واجعل لك قبل النشر «بوابة تحقق» ثابتة: هل الآية صحيحة؟ هل الحديث ثابت؟ هل فهمي للنص صحيح؟ هل المعلومة العلمية موثوقة؟ هل العنوان صادق؟ هل المقطع يحقق مصلحة أم يستثير الغضب فقط؟ هل يصلح هذا الكلام لكل الناس أم يحتاج إلى تخصيص؟ فإذا أجبت عن هذه الأسئلة، أصبحت عملية النشر أكثر أمانًا.

 

ولا تجعل الخوارزمية هي التي تربيك على طريقة الدعوة؛ لأن الخوارزمية تبحث عن التفاعل، بينما الداعية يبحث عن الهداية. وقد يؤدي المحتوى المثير للجدل إلى تفاعل كبير، لكنه قد يخلق خصومة وانقسامًا لا حاجة إليهما. قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، وقال سبحانه: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال: 46).

 

وأنصحك ختامًا بالآتي:

 

أنشئ خطة محتوى شهرية، وحدد جمهورك، واجعل لكل سلسلة هدفًا، وراجع كل دليل شرعي قبل النشـر، واستعمل الذكاء الاصطناعي كمساعد لا كمُفتٍ، ولا تقيس نجاحك بالمشاهدات وحدها، ولا تدخل كل معركة إلكترونية، واجعل لك وقتًا محددًا لإدارة المنصات حتى لا تتحول الدعوة الإلكترونية إلى استنزاف نفسي.

 

وأسأل الله أن يجعل ما تكتبه وتنشـره حجة لك لا عليك، وأن يرزقك الإخلاص والدقة والبصيرة، وأن يجعلك سببًا في هداية الناس لا في إثارة الخصومات، وأن يبارك في كلمتك ويجعلها نافعة باقية الأثر.

 

روابط ذات صلة:

كيف يوازن صانع المحتوى بين الجاذبية الرقمية والضوابط الشرعية؟

إدارة المحتوى الدعوي وتحديات العصر الرقمي

كيف يوازن الداعية الإلكتروني بين العولمة وخصوصية الفتوى؟

التعليقات

الرابط المختصر :