الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
36 - رقم الاستشارة : 5356
20/07/2026
السلام عليكم أنا آنسة أبلغ 43 سنة أكبر إخوتي، وأختي 28 ولنا 3 إخوة، اثنان متزوجان، الأول زوجته اخت لنا تقدرنا وتحترمنا، والآخر زوجته أصغر منه بـ12 سنة، وحصلت بيننا مواقف كثيرة بسبب نقل الكلام والتدخل فيما لا يعنيها وفضولها القاتل، حتى إنها تعرفت على بنت عمي وبنت خالتي أثناء الخطوبة وبعد الزواج تسببت في قطيعتنا عن بيت خالتي بسبب نقل الكلام لزوجها واثارة الفتنة بين العائلتين، عندها قناعة يجب ان يكون مشاكل بين الزوجة واهل زوجها.
بالرغم من أن أخي شيخ وإمام مسجد إلا أن عتبي عليه بأنه يترك فرصة للنميمة ونقل الكلام، حتى وصلنا للقطيعة بيننا وبين اخي، ومن اول المشكلة وانا واختي لم نغلق باب المسامحة مع اخينا، الآن ابلغ امي بشرطه للمسامحة ان نجلس مع زوجته ونفتح صفحة جديدة، انا واختي سامحنا لوجه الله ولكن لا نرغب برؤيتها بسبب الألم النفسي الذي سببته لنا وتذكر كل شي عند رؤيتها، لأننا عرفنا بمعايرتها لنا بعدم زواجنا لحد الآن، بالإضافة انها تسببت في غضب والدنا منا لأنه يهمه فقط كلام الناس وليس مشاعرنا وكأنه لا يكفي قسوة قلبه علينا وعدم إنصافه.
سؤالي هل علينا إثم إذا لم نرغب برؤيتها مع اننا سامحنا لوجه الله. ولكن الألم النفسي الذي سببته يجعلنا لا نرغب برؤيتها، أتذكر حادثة قتل وحشي لعم رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام وعندما أسلم وحشي عفا عنه الرسول ولكن طلب منه ألا يريه وجهه حتى وفاة الرسول، يعني إذا الرسول عليه الصلاة والسلام سامح ولكن لم ينس الألم النفسي، فهل علي انا واختي إثم؟!
مع العلم أن أخي سامحه الله يضع شرط اتمام المصالحة معه ان نتصالح مع زوجته، وذلك ليس بيدنا والله، انها النفس البشرية، لن تستطيعوا تخيل الألم الذي سببته، وخصوصا اننا كإخوة طول حياتنا ملتفين حول بعضنا ونسند بعضنا ونلتف حول والدتنا، لأنه والدنا للأسف حاضر جسديا ولكن بعيد عنا بقلبه وقاس جدا، وهي استغلت هذا الشيء وتحاول كسبه.
للعلم أكثر من مرة سامحنا وفتحنا صفحة جديدة ولكن الحقد يملأ قلبها والنية السيئة مسيطرة عليها في كل تصرفاتها، لا ترى أي شي أو فعل صادق نفعله من أجلها، تصرفاتها نفاق وعمرنا ما حسينا بالندم الصادق، بالنسبة لي كانت شفافة جدا وكأني أرى داخلها بكل وضوح، وهذا الشيء أحسه بأي إنسان أتعامل معه، أعرف النوايا ولكن لا أحكم قبل أن يصدر التصرف وللأسف كثيرا ما كانت أحاسيسي ونظري صحيح.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أختي الكريمة، وحياكِ الله
وبارك فيكِ وفي أختكِ، وأقرّ أعينكم بما يقرّ خاطركم ويجبر قلوبكم.
قبل البدء في تفصيل الجوانب الفقهية، أود أن أقف وقفة
إجلال وتقدير لقلبكِ الكبير؛ فكونكِ الأخت الكبرى التي تحمل همّ العائلة، وتلتف مع
أختها حول والدتها، وتملك القدرة على المسامحة "لوجه الله" رغم كل هذا
الألم، فهذا دليل على نبل معدنكِ وعمق إيمانكِ.
وإن شعوركم بالألم النفسي، وتذكّر الأذى عند رؤية من
تسبب فيه، هو استجابة بشرية طبيعية تمامًا ولا تعيب إيمانكم. فالقلوب ليست أزرارًا
نضغط عليها لننسى فجأة؛ والمسامحة وإبراء الذمة لا تعني بالضرورة عودة المياه إلى
مجاريها أو إجبار النفس على خُلطة تجلب الهم للنفس والتعاسة للقلب، المعايرة
بالتأخر في الزواج، أو السعي في إفساد العلاقات الأسرية، هو أذى حقيقي يترك ندوبًا،
ومن حق الإنسان أن يحمي سلامته النفسية.
واعلمي أختاه أن هذه الإجابة صيغت بناءً على ما ورد في
رسالتك الكريمة وتتماهى مع روايتك وبالطبع فهي تمثل الاستماع لـ طرف واحد من أطراف
المشكلة، وعليه، فإن هذه الإجابة ليست ملزمة للطرف الذي لم نسمع منه، ولا تُعد حجة
شرعية أو حكمًا ملزمًا على الطرف الآخر وليس الأمر بالطبع تشكيكًا في روايتكم،
ولكن لكل إنسان وجهة نظره وقراءته للأحداث التي قد تتوافق مع حقيقة أو تختلف معه،
فإذا تقرر هذا، فأقول وبالله التوفيق.
إن الشريعة الإسلامية الغراء جاءت لحفظ مصالح العباد في
المعاش والمعاد، ومن أعظم مقاصدها حفظ سلامة النفوس، وإشاعة المودة، ودفع الضرر
والضرار. وقد وازن الإسلام بين الواجبات الاجتماعية والصلات الأسرية وبين الطاقة
النفسية للبشر، فلم يكلف الله نفسًا إلا وسعها. والمسامحة والعفو من عزائم الأمور
ومندوبات الشرع، لكن الشارع الحكيم لم يلزم المعفو عنه بأن يكون صديقًا حميمًا أو
مخالطًا لصيقًا لمن آذاه إذا كان في ذلك حرج نفسي أو تجديد للآلام.
اختصارًا: لا إثم عليكِ ولا على أختكِ -إن شاء الله- في عدم الرغبة في رؤية زوجة
أخيكم أو مجالستها، طالما أنكما عفوتم عنها باطنًا وتركتم تصفية الحسابات لله
سبحانه، فزوجة الأخ ليست من ذوي الرحم الواجب صلتهم شرعًا.
وإن اشتراط أخيكم المصالحة معه برضا زوجته أو مجالستها
يُعد تعسفًا في استخدام حقه، ولا يلزمكم شرعًا طاعته في ذلك، ويسعكم صلة أخيكم
بالحد الأدنى الذي تسمح به الظروف كالاتصال أو الرسائل لإبراء الذمة، فإن رفض؛
فالإثم عليه لا عليكم.
أما بر الوالد فواجب على كل حال، ولا ينقطع بسبب قسوته
أو عدم إنصافه، لكن دون أن تكلفوا أنفسكم ما فيه ضرر مادي أو نفسي معتبر.
وتفصيلاً:
الاستشهاد بقصة وحشي بن حرب والألم النفسي
ما ذكرتِهِ أختي الكريمة بخصوص وحشي بن حرب قاتل حمزة
رضي الله عنه هو أصل أصيل في الفقه النفسي في الإسلام، فقد روى البخاري في صحيحه
حديث رقم 4392 أن النبي ﷺ بعد أن أسلم وحشي وقبل توبته وعفا عنه، قال له: «فَهَلْ
تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي؟» قال: نعم.
يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري: "وإنما
قال له النبي ﷺ ذلك لأن رؤيته كانت تُذكره بما وقع لعمه حمزة من القتل الفظيع،
فيثير عليه الحزن، والطباع البشرية لا تملك دفع ذلك".
وهذا دليل واضح من فعل المعصوم ﷺ على أن العفو والقبول
لا يستلزم جَبْر النفس على رؤية ومجالسة من يتسبب في إثارة الأشجان والألم النفسي.
بيان مَن هم "ذوو الرحم" وحكم زوجة الأخ
اتفق الفقهاء على أن المصاهرة كأزواج الإخوة والزوجات لا
يدخلون في دائرة "الرحم الواجب صلتها" والتي يأثم قاطعها، يقول الإمام
النووي في شرح صحيح مسلم: "واختلفوا في حد الرحم التي يجب صلتها؛ فقيل: هي كل
قَرابة بينهما رَحِم مَحْرَم، وقيل: بل هي عامة في كل قريب من ذوي الأرحام في
الميراث"، وفي كلتا الحالتين، فإن زوجة الأخ أجنبية عنكما نسبًا، وإنما هي
قرابة مصاهرة، فلا يجب صلتها ابتداءً، وقطع خلطتها لدفع أذاها لا يُعد قطيعة رحم
يعاقب عليها الشرع.
تعسف الأخ في اشتراط رضا زوجته
إن اشتراط الأخ صلتَه بجلوسكم مع زوجته هو من قبيل
التعسف؛ لأن صلة الرحم بين الأخ وأخواته واجبة عينًا بأصل الشرع، ولا يجوز جعلها
ورقة ضغط لصالح طرف آخر، وقد جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية في باب التعسف في
استعمال الحق: "إن استعمال الحق يكون ممنوعًا وموجبًا للمسؤولية إذا لم يقصد
به إلا الإضرار بالغير، أو إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها لا تتناسب مع
ما يصيب الغير من ضرر".
فأخوكِ هنا -رغم كونه إمامًا للمسجد- يخطئ بترك المجال
للنميمة ويخطئ بتعليق الواجب الشرعي صلته بكم على أمر ليس بواجب وهو مجالستكم
لزوجته. ويسعكم بره بالسلام والرسائل والسؤال عنه، فإن صدّ فإثمه على نفسه.
وجوب بر الوالد رغم قسوته:
الشرع الحكيم لم يربط بر الوالدين بعدالتهما أو حنانها،
بل أوجبه حتى لو كانا مشركين يجاهدان الأبناء على الكفر كما في سورة لقمان، يقول
ابن مفلح في الآداب الشرعية: "يجب على الولد طاعة والديه في غير معصية، وإن
كانا فاسقين أو قاسيين، ولينصفهما في الخطاب، وليصاحبهما في الدنيا معروفًا"،
لذا، إرضاء والدكم بالمعروف والصبر على قسوته هو بابكم إلى الجنة، ولا يعني هذا
الاستسلام لإهانات زوجة الأخ، بل مداراة الوالد وإكرامه في حدود المتاح مع تجنب
الاحتكاك بالمنبع المؤذي.
وهذه بعض النصائح التي أراها ضرورية لحالتكم
فقه الفراسة والنوايا: ذكرتِ أختي الكريمة أنكِ ترين داخلها بوضوح وتعرفين النوايا. وهذه
"فراسة المؤمن" وهي نعمة، ولكن احرصي ألا تتحول هذه الشفافية العالية
إلى عبء نفسي عليكِ يُبقيكِ في حالة ترقب وقلق دائم. اعرفي الناس، وضعي حدودًا
آمنة، ثم فوضي الأمر لله، وأيضا عليك أن تتيقني أن هذه المشاعر ظنية ولا دليل
عليها إلا الحدس، لذا لا ينبني عليها عمل.
مسألة تأخر الزواج: ما عايرتكم به زوجة أخيكِ هو جهل محض وسوء أدب مع أقدار الله.
فالزواج رزق مقسوم كالمال والعمر، والتأخر فيه ليس عيبًا ولا نقصًا في قيمتكم
كنساء. كم من متزوجة تعيش في شقاء، وكم من غير متزوجة تعيش في كنف طاعة الله وخدمة
والدتها بعز وكرامة. لا تجعلي هذا الكلام يلمس ثقتكِ بنفسكِ أبدًا.
التعامل الذكي مع الأخ والوالد: مع الأخ أرسلوا له في المناسبات رسائل طيبة مثل:
"أخي الغالي، نحن سامحنا لوجه الله ولا نحمل في قلوبنا شيئًا، وبابنا وسؤالنا
عنك مفتوح دائمًا، أما اللقاءات الاجتماعية فنعتذر عنها حرصًا على بقاء الود
وعزلاً للأنفس عن مواطن الخلاف". بهذه الطريقة تضعان الكرة في ملعبه وتبددان
شرطه التعسفي.
مع الوالد: الوالد القاسي يحتاج إلى "البر
الصامت"؛ أي تقديم الخدمة، والكلمة الطيبة، وتجنب النقاشات الجدلية معه. إذا
كان يهمه كلام الناس، فلا داعي لإثارة موضوع زوجة الأخ أمامه، وتجنبوا الحديث عنها
مطلقًا في وجوده.
القواعد الفقهية الحاكمة:
قاعدة: لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ
وهي أصل في دفع الأذى. فبما أن مجالسة هذه الزوجة تتسبب
لكم في الألم النفسي والمعايرة والأذى، فإن دفع هذا الضرر مقدم شرعًا على
مجاملتها.
قاعدة: دَرْءُ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ
المَصَالِحِ:
إن مصلحة "فتح صفحة جديدة شكليًّا" قد تنطوي
على مفسدة أكبر وهي تجدد النزاع، والنفاق الاجتماعي، وانتكاسة سلامتكم النفسية.
لذا، فإن اعتزال خلطتها هو درء للمفسدة.
قاعدة: المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ:
التكليف بمجالسة من يملأ الحقد قلبه -كما وصفتِ- فيه
مشقة شديدة على النفس البشرية، ومن تيسير الشرع ورحمته أنه لم يلزمكم بما فوق
طاقتكم البشرية.
اطمئني تمامًا، أنتم على صواب، والمسامحة مع البعد الآمن
هي أرقى درجات الذكاء العاطفي والشرعي. حفظكم الله وصرف عنكم الأذى. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: