الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : الحدود والجنايات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
18 - رقم الاستشارة : 4659
28/04/2026
"رأيت بعيني جاري وهو يسرق معدات من موقع بناء، وأنا أعلم أنه يمر بضائقة مالية شديدة وعنده أطفال جياع. صاحب الموقع يطلب شهوداً لتقديم بلاغ للشرطة. هل الستر عليه هنا مقدم على شهادة الحق؟ وماذا لو ترتب على سكوتي اتهام حارس الموقع البريئ بالسرقة وفصله من عمله؟"
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فأهلاً وسهلاً بك أخي الكريم، وأعانك الله على هذا الموقف الصعب، فهو اختبار حقيقي لوازع الضمير وميزان الشرع. إليك التفصيل الفقهي لهذه المسألة المعقدة التي تتداخل فيها حقوق الله مع حقوق العباد.
اختصارًا: الأصل في الإسلام الستر على المسلم إذا وقع في معصية، لكن هذا الستر له حدود وضوابط، وفي حالتك هذه، تتعين الشهادة وتجب شرعًا ولا يجوز الستر لسببين جوهريين:
الأول أن السرقة اعتداء على "حقوق العباد"، والستر في حقوق العباد لا يسقط حقهم في استرداد أموالهم.
والثاني -وهو الأهم- أن سكوتك قد يؤدي إلى ظلم إنسان بريء وهو حارس الموقع، ودرء الظلم عن البريء مقدم على الستر على الجاني، ولكن أقترح عليك اقتراحًا لو كان في الإمكان إعادة المسروقات دون أن يشعر أحد، بطريقة لا يتهم فيها حارس المكان، وبهذا نجمع بين الستر وحفظ الحقوق الواجبة.
القواعد الفقهية الحاكمة
* "لا ضرر ولا ضرار": سكوتك يلحق ضررًا بصاحب المال وبحارس الموقع، والشريعة جاءت لإزالة الضرر لا لإقراره.
* "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح": مصلحة الستر على الجار مفسدتها أعظم لأنها تؤدي إلى ظلم الحارس وضياع حق صاحب العمل؛ لذا يُقدم درء مفسدة الظلم.
* "الضرورات تبيح المحظورات، والضرورة تقدر بقدرها": حاجة الجار للمال بسبب الفقر لا تبيح له السرقة مع وجود سبل أخرى كالصدقة والزكاة، كما أن فقر الجاني لا يبيح لك كتمان الشهادة إذا ترتب عليها إضرار بالغير.
* "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب": إنقاذ الحارس البريء من التهمة والفصل واجب، ولا يتم ذلك إلا بشهادتك، فتصبح الشهادة واجبًا عينيًّا عليك.
أسس التفريق بين الستر وأداء الشهادة وضوابط كل منهما
تُقسم الأفعال التي يراها المسلم من غيره إلى نوعين، ولكل نوع حكمه:
1. الستر المندوب (المستحب):
* مجاله: المعاصي التي تكون "حقًّا لله خالصًا" ولا تتعدى للغير مثل شرب الخمر سرًّا، أو ترك الصلاة، أو المعصية الفردية، أو زلة وقع فيها شخص غير معروف بالفساد ولم يترتب عليها ضرر مادي لأحد.
* شرطه: أن يكون الشخص "مستورًا" في الأصل وليس مجاهرًا بالمعصية، وألا يترتب على الستر ضياع حق إنسان آخر.
2. الشهادة الواجبة (التي يُحرم فيها الستر):
* التعدي على حقوق العباد: إذا كانت المعصية سرقة، أو غصبًا، أو اعتداءً جسديًّا، فلا يجوز الستر لأن صاحب الحق يطالب بحقه، وكتمان الشهادة هنا هو إعانة للظالم على ظلمه.
* دفع الظلم عن البريء: إذا ترتب على السكوت اتهام شخص آخر (كالحارس في قصتك)، تصبح الشهادة هنا من أعظم القربات لأنها تنقذ بريئًا من "ظلم القوي" أو "قطع الرزق". قال تعالى: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}.
* الإصلاح الزجري: إذا كان الجاني يكرر فعله ويتخذ من فقر ظروفه ذريعة للإجرام، فإن الستر عليه يشجعه على الاستمرار، بينما الشهادة عليه قد تكون وسيلة لإصلاحه وردعه.
كيف توازن بين الواجبين؟
يمكنك أداء شهادة الحق مع الحفاظ على "روح الإحسان" من خلال:
1. الصدق في الشهادة: أدِّ ما رأيت دون زيادة أو نقصان لإنقاذ الحارس واسترداد الحقوق.
2. الشفاعة الحسنة: يمكنك بعد أداء الشهادة أن تتوسط لدى صاحب الموقع ليتنازل عن البلاغ الجنائي مقابل إعادة المعدات، شارحًا له ظروف جارك الصعبة، لعل الله يرقق قلبه.
3. النصيحة والمعونة: عليك نصيحة جارك بعد ذلك بأن ما فعله محرم، وتحرك مع أهل الخير في منطقتك لتوفير معونة عاجلة لأطفاله الجياع، فحق الجار على جاره أن يطعمه إذا جاع، لا أن يتركه يسرق ثم يستر عليه في باطل. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة: