الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : المعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
10 - رقم الاستشارة : 5212
01/07/2026
اتفقنا نحن موظفي الشركة على اقتطاع 50 دولاراً من راتبنا شهرياً ووضعها في صندوق للطوارئ، على أن ندفع مبلغاً مقطوعاً لأي زميل يتعرض لحادث أو عملية جراحية، وفي نهاية السنة نقتسم ما يتبقى من المال؛ فهل هذا الصندوق جائز أم هو من التأمين التجاري المحرم؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلا وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تكافل المسلمين
وتعاونهم على البر والتقوى من أسمى المقاصد التي حثت عليها الشريعة الإسلامية،
لقوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا
عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}. وقد وضع الفقه الإسلامي فواصل واضحة وضوابط
دقيقة لتمييز عقود التبرع التي تقوم على المسامحة والمواساة عن عقود المعاوضات
والمقامرات التي تقوم على المغالبة، لضمان خلو المعاملات من الغرر والربا
والجهالة.
اختصارًا: هذا الصندوق جائز شرعًا بل ومستحب، وهو من قبيل التأمين التعاوني التكافلي،
وليس من التأمين التجاري المحرم، والعلة في جوازه أن الصندوق يقوم على التبرع
والمواساة بين الزملاء لا على المعاوضة التجارية؛ فالجهالة والغرر المغتفر رخصةً
في عقود التبرعات، كما أن شرط "قسمة المتبقي في نهاية السنة" لا يخرج
الصندوق عن صبغته التكافلية، بل يؤكد أن المشتركين هم أصحاب المال، وأن الصندوق لا
يهدف إلى الربح أو استغلال حاجة الأفراد، وهو ما يجعله عملاً مبرورًا مأجورًا عليه
إن شاء الله.
أولاً: أصل جواز التأمين التعاوني والتكافلي القائم على
التبرع:
اتفق العلماء والمجامع الفقهية المعاصرة على إباحة
التأمين التعاوني؛ لأن القصد منه تفتيت المصائب والمواساة، وتغتفر فيه الجهالة حيث
لا يعلم المشترك كم سيأخذ أو متى سيمرض.
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة
التعاون الإسلامي: في قراره
رقم 9 9/2 بشأن التأمين، جاء فيه:
"إن عقد التأمين التجاري ذي القسط الثابت الذي
تتعامل به شركات التأمين التجاري عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد، ولذا فهو حرام شرعًا...
أما التأمين التعاوني التبادلي الذي يقوم على أساس التبرع والتعاون، فإنه جائز شرعًا،
وهو من عقود التبرع التي يقصد بها أصالةً تفتيت الأخطار والمواساة عند
المصائب".
قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية
القرار رقم 51:
"يرى المجلس جماعةً وبإجماع الآراء: جواز التأمين
التعاوني؛ وهو الذي يتكون من جماعة من الأشخاص يتعرضون لخطر أو أخطار متشابهة،
يقدم كل منهم اشتراكًا معينًا، وتخصص هذه الاشتراكات لأداء التعويض المستحق لمن
يصيبه الضرر... وليس لمديري هذا الصندوق أو جماعته ربح من هذا المال، بل هو عائد
إليهم".
ثانيًا: حكم رد الفائض وقسمة ما يتبقى نهاية السنة:
أكد الفقهاء المعاصرون أن رد الفائض أو المتبقي من
الصندوق التكافلي على المشتركين فيه، إما بحسب نسب اشتراكهم أو بالتساوي، هو من
أبرز علامات مشروعية التأمين التعاوني وتمايزه عن التجاري.
من الفقه الحنبلي المعاصر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
سُئل في لقاءات الباب المفتوح عن صناديق العوائل والموظفين التي يُدفع فيها مبالغ
دورية لنوائب الزمان، فقال:
"هذا الصندوق صندوق تعاوني، وليس من التأمين المحرم
في شيء؛ لأن القائمين عليه لا يريدون به ربحًا، وإنما يريدون به مواساة المحتاج
منهم، فما فضل فهو لهم، وما نقص كملوه، هذا هو التعاون المحمود الذي أثنى الله
عليه".
جواز الغرر في التبرعات قديمًا: نقل الإمام القرافي المالكي في الفروق 3/ 265 أصل
تفريق الشريعة بين المعاوضات والتبرعات في الغرر، فقال:
"التبرعات أوسع من المعاوضات، فيتسامح في التبرع
بالغرر والجهالة ما لا يتسامح في المعاوضة؛ لأن المعاوض يطلب سلامة ماله ببدل
مكافئ، أما المتبرع فمقصده الإحسان، فلا ضرر عليه إن لم يحصل مقصوده كاملاً".
القواعد الفقهية الحاكمة:
قاعدة "الأمور بمقاصدها":
النية والقصد من إنشاء هذا الصندوق هي "المواساة
والإرفاق والتكافل" بين الزملاء في العمل عند حدوث الطوارئ، وليست النية
"المعاوضة أو التجارة أو تحقيق الأرباح المادية"، والعبرة في العقود
بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
قاعدة "يغتفر في التبرعات ما لا يغتفر في
المعاوضات":
بما أن المشترك يتبرع بالـ 50 دولاراً شهريًّا لأخيه
المصاب، فإن جهالة مقدار العائد هل سيمرض فيأخذ، أم يسلم فلا يأخذ شيئًا إلا
الفائض المتبقي لا تؤثر في صحة المعاملة؛ لأن الغرر ممنوع في البيوع والمعاوضات
حماية لأموال الناس من الضياع، أما في التبرع فالدافع هو الإحسان المحض.
قاعدة "الشرط الموافِق لمقتضى العقد والشرع
صحيح":
اتفاقكم على "قسمة ما يتبقى نهاية السنة" هو
شرط صحيح يوافق طبيعة الملكية المشتركة للمال؛ فالمال مالكم ولم يخرج إلى ملكية
شركة تجارية تستأثر بالفائض، وبالتالي فهذا الشرط يرسخ صفة التعاون والعدالة في
الصندوق. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
عقود التأمين.. أنواعها وأحكامها