عملي يتضمن الترويج لخدمات "اشتر وادفع لاحقًا".. فهل أنا آثم؟

Consultation Image

الإستشارة 15/07/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، شيخنا الفاضل، جزاكم الله خيرًا على ما تبذلونه من نشر العلم، وأسأل الله أن يبارك في جهودكم وأن ينفع بكم.

لدي استفسار حول الحكم الشرعي لإرسال رسائل ترويجية للعملاء عبر وسائل التواصل الاجتماعي. أحيانًا تكون الحملة بهدف تنشيط المبيعات، وقد يتضمن التصميم (يتم إعداده من خلال موظف آخر تابع لقسم آخر) المرسل صورة المنتج المُروَّج له، مع ذكر وسائل الدفع المتاحة، ومن ضمنها بوابات "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" (BNPL)، وذلك لتحفيز العملاء على الشراء وإعلامهم بوجود هذه الخيارات.

كما أرغب في الاستفسار عن حكم قيامي باستخلاص أرقام جوالات العملاء المستهدفين فقط، ثم إرسالها إلى الموظف المختص الذي يتولى بدوره إرسال رسائل الحملة الترويجية لهم. علمًا بأنني من أقوم بالإشراف على مهام موظفين القسم. جزاكم الله خيرًا.

الإجابة 15/07/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وبارك الله في حرصك على تحري الحلال في عملك ومصدر رزقك، ونسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد في القول والعمل.

 

إن الأصل في المعاملات التجارية والإعلان عنها هو الإباحة والحل، ما لم تشتمل على محذور شرعي كالغش، أو التدليس، أو الإعانة على الربا والمحرمات. والعمل الإداري داخل الشركات يتطلب من الموظف والمسؤول دقة متناهية في معرفة حدود تصرفاته ومدى مشاركته في المعاملات المالية، لضمان خلو كسبه من أي شبهة شرعية، حيث قال الله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2].

 

اختصارًا: عملك في استخلاص أرقام الهواتف وإرسالها للموظف المسؤول عن الحملة الترويجية التي تتضمن خيارات "اشترِ الآن وادفع لاحقًا" BNPL يدور وجودًا وعدمًا مع طبيعة العقد والشروط الخاصة بهذه الشركات الوسيطة كبوابات للدفع.

 

فإذا كانت بوابات الدفع المستخدمة تقدم خدمة تقسيط متوافقة مع الضوابط الشرعية بدون فرض فوائد تأخير أو غرامات ربوية عند العجز عن السداد، ومجرد تقسيط لثمن السلعة الفعلي فالترويج لها وعملك في استخلاص الأرقام جائز شرعًا ولا حرج فيه.

 

أما إذا كانت بوابات الدفع تفرض فوائد تأخير أو غرامات ربوية وهو الغالب في كثير من هذه الشركات التي تشترط غرامة عند التأخير في سداد القسط فإن هذا العقد يشتمل على الربا، والترويج له أو الدلالة عليه يعد من الإعانة على المعاملة الربوية المحرمة. وفي هذه الحالة، يُنصح بالامتناع عن المساهمة في الترويج لهذا الخيار تحديدًا، أو الاقتصار على استخلاص الأرقام لحملات ترويجية لا تتضمن هذه البوابات الربوية.

 

أما عملك والاستمرار فيه من عدمه فيحتاج إلى مناقشة ظروفك الخاصة مع أحد العلماء، فليس كل شخص يعمل عملا فيه شبهة يجب عليه فورًا أن يتركه إلى المجهول، بل تراعى ظروفه الخاصة، وإن كانت هناك ضرورة أو حاجة شديدة تنزل منزلة الضرورة فيستمر في العمل إلى أن يجد عملا آخر، خاصة أنك لا تمارس الربا بنفسك، وأن أصل عملك حلال مشروع.

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: حكم البيع بالتقسيط وأثره في المعاملة

 

اتفق العلماء قديمًا وحديثًا على جواز بيع التقسيط إذا كان الأجل معلومًا والأقساط محددة، حتى وإن كان ثمن السلعة مؤجلاً أعلى من ثمنها حالاً، بشرط أن يقع العقد جازمًا على أحد السعرين عند البيع.

 

جاء في "المجموع شرح المهذب" للنووي الشافعي "يجوز بيع الشيء بنقد وبنسيئة تأجيل بأكثر مما بيع به نقدًا، ولا يكره، لعموم الأدلة، ولأنه قد يكون له غرض في البيع بنسيئة لطلب الفضل، وفي النقد لتعجيل القضاء".

 

ومن القرارات الفقهية الحديثة:

 

جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي القرار رقم 51 - 2/6 بشأن البيع بالتقسيط:

 

"تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقداً وثمنه مؤجلاً لأجال معلومة، ولا يصح البيع إلا إذا جزم العاقدان بالنقد أو التأجيل".

 

ثانيًا: حكم غرامات التأخير في عقود التقسيط

 

إذا تضمن عقد التقسيط كما هو الحال في كثير من بوابات الدفع شرطًا جزائيًّا يفرض غرامة مالية عند التأخر في السداد، فإن هذا الشرط يفسد المعاملة شرعًا ويجعلها عقدًا ربويًّا، ومن العلماء من قال إن العقد صحيح، والشرط فاسد.

 

وهذا هو عين ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه، وصورته: "إما أن تقضي وإما أن تربي" أي تزيد في الدين مقابل زيادة الأجل.

 

من القرارات الفقهية الحديثة:

 

جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي القرار رقم 109 - 3/12 بشأن الشرط الجزائي:

"الشرط الجزائي في العقود جائز... ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها دينًا؛ فإن هذا ربا صريح".

 

وبناءً عليه، فإن بوابات الدفع التي تفرض رسومًا أو غرامات تحت مسمى "مصاريف إدارية للتأخير" أو "غرامة تعويضية" تُخرج المعاملة من حيز الجواز إلى الحرمة. أما البوابات التي لا تفرض أي غرامات تأخير مطلقًا، أو تفرض رسومًا إدارية حقيقية ثابتة لا تتكرر ولا تزيد بزيادة المدة والمبلغ وهذا نادر جدًّا في الشركات التجارية، فهي محل جواز.

 

ثالثاً: حكم الإعانة على المعاملة المحرمة والدلالة عليها

 

إذا ثبت أن بوابة دفع معينة تتعامل بالربا عبر غرامات التأخير، فإن الإعلان عنها أو تسهيل وصول العملاء إليها يندرج تحت باب "الإعانة على الإثم".

 

قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى":

 

"إذا أعان الرجل على معصية الله كان آثمًا؛ لأنه أعان على الإثم والعدوان، ولهذا لعن النبي الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومشتريها وساقيها وآكل ثمنها، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى في النهي عن التعاون على الإثم والعدوان".

 

وسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية عن العمل في الدعاية للمؤسسات الربوية، فأجابت:

 

"لا يجوز للمسلم العمل في وسائل الإعلام بالدعاية والإعلان للمصارف الربوية أو لغيرها من المعاملات المحرمة؛ لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان".

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

قاعدة: "الأصل في العقود والمعاملات الإباحة والحل"

 

حملتكم التسويقية وإرسال الرسائل وتنشيط المبيعات واستخلاص الأرقام أصله الجواز والحل، ولا ينقلب إلى الحرمة إلا إذا ثبت مخالفته للشريعة بالترويج لعقد ربوي.

 

قاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد"

 

استخلاص أرقام العملاء وسيلة لإرسال رسائل تروج لمنتج مباح مع خيار دفع مباح مقصد مباح فتكون الوسيلة مباحة. أما إذا كان استخلاص الأرقام لتوجيههم إلى تقسيط ربوي فتكون الوسيلة محرمة.

 

قاعدة: "ما أدى إلى الحرام فهو حرام" سد الذرائع

 

الترويج لبوابات دفع تفرض فوائد ربوية يؤدي بالعملاء إلى الوقوع في الربا، فالدلالة عليها أو توفير أرقام العملاء لتسهيل الوصول إليها يأخذ حكم المنع سداً لذريعة الوقوع في الربا.

 

وختامًا:

 

أولاً: يجب عليك مراجعة العقود والاتفاقيات التي تبرمها شركتك مع بوابات "اشتر الآن وادفع لاحقًا" المستخدمة في المتجر.

 

ثانيًا: إذا تبين لك أن هذه البوابات لا تفرض أي غرامات تأخير أو فوائد ربوية على العميل، فيجوز لك الإشراف على استخلاص الأرقام وتوجيه الموظف لإرسال الحملة الترويجية التي تحتوي على هذه الخيارات.

 

ثالثًا: إذا تبين أن هذه البوابات تفرض غرامات تأخير ربوية، فالواجب عليك شرعًا بصفتك مشرفًا ومسؤولاً تقديم النصيحة لإدارتك باستبعاد هذه البوابات أو على الأقل عدم تضمينها في التصاميم الإعلانية الموجهة للعملاء. وإذا لم يستجيبوا، فاحرص على ألا تشتمل مهام قسمك على الترويج المباشر لهذه الخاصية الربوية تفاديًا لشبهة الإعانة على المعاملات الربوية.

 

نسأل الله تعالى أن يرزقك الرزق الحلال الطيب، وأن يوفقك في عملك، ويبارك لك في كسبك وعملك. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

ما أصول بيع الخدمات والمنتجات؟

التسويق الشبكي.. خسارة في الدنيا وعقوبة في الآخرة

الرابط المختصر :