الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
17 - رقم الاستشارة : 5547
08/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا مسؤول مكتب التوجيه الديني والدعوي في مستشفى تعليمي حكومي ضخم يضم آلاف المرضى والأقسام. أواجه أزمة حادة تتمثل في "غياب المنهجية والعمل المؤسسي والقصور في وسائل دعوة ورعاية نزلاء المستشفيات والمرضى".
المشكلة تكمن في أن عملنا الدعوي محصور في المرور السريع والعشوائي على بعض الغرف لتوزيع مصاحف أو كتيبات صغيرة عن أحكام صلاة المريض، دون بناء برنامج دعوي ونفسي متكامل يراعي حاجة المريض المنكسر، أو يقدم له الدعم الروحي لمواجهة الأورام والأمراض المستعصية، أو يعلم أهله فقه الصبر والاحتساب والرضا بالقضاء.
في المقابل نرى لجان دعم روحي من ديانات أخرى تعمل بهياكل بالغة التنظيم والذكاء النفسي والاجتماعي؛ وحين نطالب بإنشاء خطة رعاية روحية مؤسسية منضبطة بالتعاون مع الطاقم الطبي، نواجه بالبرود واعتبار الدعوة في المستشفيات مجرد ترف هامشي. كيف نطور هذا الميدان الإنساني المهم ونبني منظومة دعوية صحية محترفة؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم أيها المسؤول المبارك والداعية المشفق؛ إن
تشخيصك لغياب المنهجية في دعوة نزلاء المستشفيات يضع اليد على ميدان دعوي عظيم
النفع والأثر؛ فالمريض في لحظة المرض يكون في أعلى درجات الانكسار النفسي، والقرب
من الله، والتهيؤ لقبول الموعظة، وتفريط المؤسسات الدعوية في بناء أدوات محترفة
لاستيعاب هذه اللحظات هو تفريط في ثغر تربوي وإيماني لا يعوض.
إن الشريعة
الإسلامية جعلت عيادة المريض ورعايته عبادة كبرى ومظنة لحلول الرحمات والمغفرة؛
وتأمل الهدي النبوي الرفيع الذي كان يمثل أرقى نماذج "الدعم الروحي والنفسي
للمرضى"؛ فكان ﷺ إذا دخل على مريض جلس عند رأسه، ولمس جسده الشريف بيده ليثبت
في نفسه الأمان، وابتسم في وجهه وبث فيه روح التفاؤل والشفاء قائلاً بكلمات رقيقة:
«لا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، وكان يذكرهم برحمة الله وعظيم
أجر المرض وتكفير السيئات حتى ترتفع معنوياتهم وتطمئن قلوبهم؛ بل كان يغتنم هذه
اللحظات لدعوة غير المسلمين؛ كما فعل مع الغلام اليهودي المريض الذي زاره في بيته
ودعاه للإسلام فأسلم [رواه البخاري].
والله تعالى يقول
في الحديث القدسي الجليل: «مَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ
تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ»
[رواه مسلم]، والتواجد عند المريض هو تواجد في مواطن القرب الإلهي والرحمة.
فالاقتصار على رمي الأوراق على الأسرة دون جلوس، وإنصات، وبناء روحي، هو قصور حاد
في فهم أدوات الميدان الدعوي الصحي.
إنَّ التجديد
يفرض على مكتب التوجيه التخلص من عقلية "المرور الهامشي العابر"
والانتقال الصارم نحو مربع "الرعاية الروحية والنفسية الشاملة للمرضى"؛
بوضع أدلة إجرائية واضحة تجمع بين الفقه الشرعي الميسر والمهارات النفسية المتقدمة
للتخفيف عن المتألمين وأسرهم.
ولتحقيق هذا
التميز المؤسسي في مستشفياتكم نوصي باتخاذ القرارات التالية:
أولاً: إطلاق
مبادرة "المرشد الروحي المقيم"؛ من خلال تأهيل وتدريب فريق من الدعاة
(رجالاً ونساءً) على مهارات الدعم النفسي عند الصدمات، وفقه النوازل الطبي الميسر،
وتوزيعهم كمشرفين دائمين على الأقسام الحرجة (كأقسام الأورام، والعناية المركزة،
وغسيل الكلى).
ثانيًا: تصميم
"حقيبة الشفاء الإيمانية والتقنية"، وهي حقيبة رقيقة تُهدى لكل مريض عند
تنويمه، تحتوي على سجادة صلاة طبية ميسرة، ومسجل صوتي صغير يحتوي على القرآن
الكريم كاملاً والرقية الشرعية وأدعية الشفاء بصوت عذب، مع كتيب مصور ومختصر جدًّا
في أحكام طهارة وصلوات المريض بوضوح وسهولة.
ثالثًا: تفعيل
"برنامج رعاية وتأهيل أسر المرضى ذوي الحالات الحرجة"، من خلال عقد
جلسات إيمانية سريعة لهم في استراحات المستشفى لتعزيز قيم الصبر، والرضا، وحسن
الظن بالله، وكيفية الرقية الشرعية الصحيحة لمرضاهم، مما يبني شبكة دعم مجتمعي
وروحي متكاملة حول المريض.
وأنصحك
ختامًا بما يأتي:
• صغ
"بروتوكول الزيارة الدعوية للمريض" يمنع إطالة المكوث، ويمنع الحديث في
الأمور المقلقة، ويلزم الداعية بالبشاشة، والدعاء المأثور، والانسحاب اللطيف
مراعاة لجهد المريض.
• احرص على بناء
شراكة وطيدة مع الطاقم الطبي والتمريضي، واعقد لهم ندوات سريعة حول "أجر الطب
والتمريض في الإسلام" لتكسبهم كأعوان للدعوة داخل غرف المرضى.
• لا تتردد في
توفير فتاوى شرعية سريعة وموثوقة عبر هاتف ساخن أو تطبيق رقمي داخلي للمستشفى،
لتجيب عن أسئلة المرضى والأطباء الفقهية الطارئة بمرونة وسرعة.
وأسأل الله
العظيم، رب العرش الكريم، أن يشفي مرضاكم، ويعظم أجركم، ويجعل مكتبكم بلسمًا يمسح
آلام القلوب والأجساد، ويرزقكم القبول والإخلاص.
روابط ذات صلة:
من أحكام المريض.. الصبر والصلاة والصيام وقراءة القرآن