الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : استشارات أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
21 - رقم الاستشارة : 5670
24/08/2026
هل يمكن الشفاء من صدمات الطفولة أكتب لكم اليوم وأنا أحمل في داخلي إرثاً ثقيلاً من الجروح النفسية التي تعود جذورها إلى طفولتي ومراهقتي وأتمنى أن أجد لديكم التوجيه الذي يساعدني على فهم نفسي وبدء رحلة التعافي.
منذ أن كنت في الكلية عانيت من علاقة معقدة ومؤلمة مع والدتي كانت وللأسف تغار مني فإذا رأت صورتي لا تمدحني أبداً أو تقول لي كلمة طيبة والسبب يعود إلى أنها سمراء البشرة وعانت من التنمر في طفولتها بينما أنا لم أشبهها وكنت بيضاء البشرة بالإضافة إلى ذلك كانت تتنمر علي باستمرار إذا زاد وزني ولو قليلاً لتوبخني بأن وزني أصبح زائداً وكانت تنزعج وتغضب بشدة كلما مدحني أحد أو قال لي إنني جميلة
لم تكن القسوة مقصورة على والدتي وحدها فقد عشت طفولتي ومراهقتي مع أب قاسٍ جداً ولا يرحم؛ لدرجة أنه كان يبصق في وجهي ويعاملني بقسوة بالغة جردتني من أي إحساس بالدعم أو الأمان هذه النشأة وتربيتي في ظل أم غيورة وأب قاس تركت آثاراً كارثية على شخصيتي اليوم كامرأة راشدة.
عندما كبرت وجدت نفسي أتجه نحو أي شخص يعطيني القليل من الحب أو الاهتمام فأصدقه فوراً وأتعلق به ظناً مني أنه طوق النجاة للأسف قادني هذا السلوك إلى خوض تجارب قاسية ومؤلمة مع أشخاص لم يقدروني بل ووجدت نفسي غالباً أقلل من قدر نفسي وأقبل بالمعاملة السيئة وعدم الاحترام لأنني لم أتعلم أساساً كيف أبدو عزيزة وغالية في بيتي الأول.
أنا اليوم أتعب من تكرار هذه الدائرة المؤلمة ومن شعوري بتقدير الذات المنخفض كيف يمكنني أن أتجاوز رواسب طفولتي وكيف أوقف هذا التعلق السريع بكل من يمنحني الاهتمام الوهمي وكيف أعيد بناء احترامي لنفسي وثقتي بها
أهلاً
وسهلاً ومرحبًا بك ابنتي الكريم في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية...
نعم،
يا ابنتي، من الممكن الشفاء من جروح الطفولة؛ فالله سبحانه هو العدل وهو الرحيم،
وليس من العدل أن يحاسب الإنسان وهو لا يملك من أمرة شيئًا لأنه مجبر على سلوكياته
نتيجة الصدمات التي تعرض لها في طفولته.. الله سبحانه وتعالى أرحم بالإنسان من أن
يتركه عاجزًا أمام صدمات الطفولة التي تعرض لها...
نعم،
تلك الصدمات تترك أثرًا عميقًا، لكن الإنسان لا تتوقف حياته بوصوله لمحطة المراهقة،
فمزيد من العلاقات ومزيد من الأشخاص ومزيد من التجارب تدخل حياته وتشكل شخصيته، ثم
هو يملك من الإرادة ومن الوعي ما يساعده على انتقاء الحياة التي يريدها لنفسه،
وتبقى هذه الآثار كنقاط ضعف داخل الإنسان عليه أن يتعلم كيف يتعامل معها.
تقييم
الوالدين.. الطريق الثالث
ابنتي
الكريمة، لن أقول لك انسي ذكريات الطفولة المريرة، ولن أقول لك إن عليك أن تسامحي
لأن والدك ووالدتك كانوا هم أيضًا ضحايا لإساءات الماضي، على الأقل والدتك التي
عاشت طفولة ممتلئة بالتنمر لأن التفسير يختلف عن التبرير، وليس معنى أن الوالدة
عاشت طفولة قاسية أن تقوم بإعادة إنتاجها.
وفي
الوقت ذاته لا أقول لك إن كل ما تعانين منه في لحظتك الراشدة الحالية هو الحصاد
المرة لتربية والدين كانا يعانيان من الاضطراب والقسوة وأنهما يتحملان كل الذنب.
ابنتي
الكريمة، لقد أخطأ والدك ووالدتك بالفعل، لكن هذا لا يبرر عقوقهما أو الانسحاب من
حياتهما.. مشاعرك لا يحاسبك الله عليها لكنه سيحاسبك على سلوكك، هذه واحدة.
النقطة
الثانية علينا أن نعترف أن جزءًا من تعلقك السريع بمن يبدي لك الاهتمام وضعف
تقديرك لذاتك يحمل في أحد جذوره رافدًا لا يزال يتغذى مما حدث في الماضي من إساءات
وصدمات.
لن
أخصص هذه الإجابة لتحليل شخصية والديك ولا إبراز أثر ذلك عليك، فليس هذا هو المهم
في اللحظة الراهنة، ولكن دعينا نفكر في كيفية ترتيب دواخلك ومشاعرك وتقديرك لذاتك.
بين
الحب والأمان
عزيزتي،
أنت بحاجة للحب والاهتمام لأن ذلك يلامس أقدم جروحك؛ لذلك فبمجرد أن يبدي أحدهم
هذا الحب والاهتمام تندفعين بشدة وتتعلقين به؛ لذلك تخافين جدًّا أن تفقدي هذا
الشخص وهذه العلاقة، فتبدأ سلسلة التنازلات وتغضين الطرف عن بعض الإهانة أو
الإساءة، ولكن هذا يجعل الطرف الآخر في كثير من الأحيان يسرف في الإساءة، وهكذا
تدورين في دائرة من التنازل والإساءة إلى أن تنتهي العلاقة فتدخلين علاقة جديدة
بسرعة بنفس النفسية، حتى أنك ربما تختارين نفس النمط في كل مرة.
وأنا
لا أقول لك لا تحبي ولا تتعلقي، ولكن أقول لك اجعلي ذلك يتم في إطار شرعي، فأي شخص
لا يدخل حياتك من بوابة الشرعية سوف يتلاعب بك، خاصة إذا كشفت جروحك القديمة
أمامه.
لا
أقول لك قومي بتجميد مشاعرك، لكن قللي من قوة اندفاعها، أنت في فترة الخطبة بحاجة
للتفرقة بين الاهتمام والأمان؛ فأنت بحاجة لأمان أكثر.. الاحترام أهم من المدح..
الاحترام أهم من الحب.. التواصل الثابت خير من أن يتواصل يومًا بكثافة عالية ثم
يغيب ويتركك في حالة من القلق أيامًا أخرى.. ابحثي عمن يحترم حدودك ويمنحك استقرارًا
فهو أفضل ممن يلاحقك ويثير مشاعرك ويشعرك إنك مرغوبة.
المشاعر
التي تأتي سريعًا هي في الغالب مشاعر غير حقيقية، أنا أريدك أن تتأني عاطفيًّا ولا
تحملي أي موقف أكثر مما يحتمل، امنحي نفسك الوقت؛ ففترة الخطبة هي فترة تعارف
وتهيئة وليست فترة عواطف.. لا تفسري الاهتمام المبكر على أنه حب.. راقبي الأفعال
والسلوكيات هل تتوافق مع الأقوال أم لا، فهذا من أهم مؤشرات الجدية والاستقرار
والنضج في العلاقة.
انتبهي
للعلامات الحمراء التي تثير القلق، ولا تتنازلي من أجل استمرار العلاقة إذا شعرت
أنه تتعرضين للإساءة أو الاستغلال.
التقدير
الذاتي
ابنتي
الغالية، بناء التقدير الذاتي من أهم الأمور التي تساعدك على السيطرة على حياتك..
أنت كإنسانة كرمها الله تستحق الاحترام والكرامة كحق أساسي، وأول ما يبدأ ذلك من
نظرة الإنسان لنفسه.. اسألي نفسك: كيف أرى نفسي؟ كيف أقيمها؟ هل أنا مؤمن أنني أستحق
الاحترام والكرامة دون أن أقدم المقابل؟ هل أرى أن هذا حق إنساني أصيل؟ هل
اقتراب إنسان مني أو ابتعاده هو من يمنحني ويمنح حياتي قيمة؟
تحدثي
مع نفسك وحاوريها وناقشيها وناقشي مخاوفك التي تدفعك لخفض معدل التقدير الذاتي،
فهذا مفتاح مهم للانطلاق في حياتك.
إذا
شعرت أن هناك صعوبات غير قادرة على تجاوزها أو أنك غير قادرة على التقدم والمضي في
حياتك أو أن ذكريات الطفولة تستهلك طاقتك النفسية.. إذا اكتشفت أنك غير قادرة على
التأني في مشاعرك.. إذا شعرت أنك بحاجة لمن يقود خطواتك فأنت بحاجة لمعالجة نفسية
متخصصة في ملف التعلق ومعالجة صدمات الطفولة، وهذا أمر لا يقلل منك على الإطلاق،
لكنه دلالة على النضج والرغبة الحقيقية على الشفاء والتعافي من تلك الجروح النفسية
التي لا تزال تؤثر بك.. فأنت قد تكونين بحاجة لجلسات حية وخطوات تدريبية صغيرة تحت
إشراف متخصصة حتى لا تتركي نفسك أسيرة للعيش داخل دوائر الإساءة.. يسر الله أمرك
وأصلح حالك، ولا تترددي أبدًا في الكتابة لنا مرة أخرى.
روابط
ذات صلة: