كيف أتعامل مع إساءات الناس لأكون ذا «حظ عظيم»؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الأخلاق والمعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 12
  • رقم الاستشارة : 4328
14/03/2026

في القرآن الكريم قال الله عن بعض الناس إنهم ذو حظ عظيم، وفي سورة فصلت: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيم}. وسمعت أن تفسير الشيخ السعدي يقول إن هذا يعني الشخص اللي يقابل الإساءة بالإحسان، ويعفو عن اللي ظلموه أو أساءوا إليه، فتصبح العلاقة كأنها علاقة ود وحب حتى مع اللي كان عدوه.

سؤالي:

1- هل يعني فعلًا أن اللي يعفو عن المسيء ويحسن له هو اللي يكون ذو حظ عظيم؟

2- كيف أطبق هذا عمليًّا مع الناس اللي يسيئون إليَّ كثيرًا أو من لهم عليَّ حق كبير؟

3- هل الثواب يكون فقط في الآخرة، أو فيه فائدة في الدنيا كمان؟

4- إيش الفرق بين بس الصبر على الإساءة وبين الصبر مع الرد بالإحسان والعفو، مثل ما جاء في القرآن؟

الإجابة 14/03/2026

مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، ويعلي قدرك، ويجعلك من عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقك خلق الأنبياء في الصبر والصفح الجميل، وبعد...

 

فإن ما سألت عنه يمثل ذروة الأخلاق الإسلامية، وهو مقام لا يصل إليه إلا الأفذاذ ممن روَّضوا نفوسهم على طاعة الله ومرضاته.

 

هل العفو والإحسان للمسيء هما «الحظ العظيم»؟

 

نعم، إن ما فهمته من التفسير هو عين الصواب. فالله -عز وجل- يقول في سورة فصلت: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]، ثم عقَّب سبحانه بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: 35].

 

و«ذو الحظ العظيم» هنا هو من أوتي نصيبًا وافرًا من التوفيق في الدنيا والكرامة في الآخرة؛ لأن كظم الغيظ ومقابلة الإساءة بالإحسان هي خصلة تشق على النفوس البشرية التي تميل بطبعها إلى الانتقام. فمن غلب نفسه وهواه وشيطانه، فقد نال حظًّا لا يدانيه حظ من كنوز الدنيا؛ لأنه اتصف بصفة من صفات الكُمَّل من البشر.

 

الفرق بين الصبر على الإساءة وبين العفو والإحسان

 

هناك فرق جوهري ودقيق بين هاتين المرتبتين، ويمكننا توضيحه في نقطتين:

 

- المرتبة الأولى (الصبر والسكوت): وهي أن يؤذيك أحد فتصبر ولا ترد الإساءة بمثلها، لكن قلبك قد يظل حزينًا غاضبًا على هذا الشخص. وهذا خلق حسن ومحمود، وصاحبه مأجور.

 

- المرتبة الثانية (العفو والإحسان): وهي ألا تكتفي بالسكوت، بل تغسل قلبك من الغل بالعفو، ثم تتجاوز ذلك إلى الإحسان للمسيء، وهذه مرتبة أصحاب الحظ العظيم.

 

فالصبر هو كف الأذى، أما الإحسان فهو بذل الخير لمن أساء إليك. وهذا هو المعنى الذي قصده القرآن بـ{التي هي أحسن}؛ كأن تصل من قطعك، أو تبتسم في وجه من عبس في وجهك.

 

كيفية التطبيق العملي

 

إن التطبيق العملي لهذا الخلق الرفيع يحتاج إلى رياضة نفس، عبر خطوات عدة:

 

1- استحضار نية التجارة مع الله: حين تحسن لمن أساء إليك، لا تنظر إليه هو، بل انظر إلى الله الذي أمرك بذلك. وتذكَّر قول النبي ﷺ: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا» [رواه مسلم].

 

2- التماس الأعذار: حاول أن تضع نصب عينيك أن المسيء قد يكون جاهلًا، أو مكروبًا، أو لم يحسن التعبير.

 

3- التدرج في رد الفعل: إذا أسيء إليك، فابدأ بالسكوت لثوانٍ معدودة حتى يهدأ فوران غضبك، ثم فكِّر في جملة طيبة تكسر بها حدة الموقف.

 

4- مع ذوي الحقوق (الوالدين أو الأقارب أو الجيران): الإحسان هنا أوجب، فحقهم لا يسقط بإساءتهم. وتذكر قصة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- مع مسطح بن أثاثة الذي خاض في عرض ابنته عائشة، ومع ذلك عفا عنه وأعاد إليه النفقة حين نزلت الآية: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22].

 

الثواب في الدنيا قبل الآخرة

 

قد يظن البعض أن الجزاء مؤجل للآخرة فقط، ولكن الله جعل لهذا الخلق ثمارًا عاجلة في الدنيا، منها:

 

- تحويل العدو إلى صديق: كما جاء في الآية ﴿كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. فالإحسان يُخجل النفوس الكريمة، ويجعلها تنقلب من العداوة إلى شدة القرب والمحبة.

 

- الراحة النفسية: الحقد والغل نار تحرق صاحبها قبل غيره، أما العفو فهو برد وسلام وسكينة تغشى القلب.

 

- السيادة والعز: الشخص الذي يعفو ويحسن يوضع له القبول بين الناس، ويهاب جانبه، ويشار إليه بالتعظيم.

 

والثواب الأخروي أعظم وأبقى.

 

وختامًا، اعلم يا أخي أن هذا الطريق صعب؛ لكن عاقبته الجنة. والبدء يكون بخطوة صغيرة في موقف بسيط، حتى يعتاد قلبك على هذا السمو.

 

أسأل الله العظيم أن يجمل أخلاقك، ويطهر قلبك، ويجعلك من أولي الحظوظ العظيمة في الدنيا والآخرة، وأن يرزقك طمأنينة لا تزول، ورفعة في الدارين. والله ولي التوفيق.

 

روابط ذات صلة:

كظم الغيظ والصبر.. عندما تصارع الفضيلة الاستغلال!

ما الحد الفاصل بين الحِلم والتفريط في الكرامة؟

 

الرابط المختصر :