كيف أدعو في الوسط النسائي دون عداوة؟

Consultation Image

الإستشارة 29/09/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا امرأة أعمل في مجال التعليم، وقد بدأت منذ سنوات في تقديم لقاءات تربوية ودعوية للنساء والفتيات، وأشعر أنني أستطيع الوصول إلى كثير من الفتيات بحكم القرب من مشكلاتهن اليومية.

لكنني في الفترة الأخيرة أصبحت أشعر أن طبيعة الفتاة المعاصرة تغيرت بصورة كبيرة؛ فهي تعيش في عالم مفتوح، وترى نماذج مختلفة للمرأة في الإعلام والمنصات الاجتماعية، وتسمع يوميًّا خطابًا عن الاستقلال والحرية والجمال والنجاح وتحقيق الذات.

وأنا أريد أن أحدثهن عن الدين، لكنني أخشى أن يشعرن أنني أكرر خطابًا قديمًا لا يلامس أسئلتهن الحقيقية. بعض الفتيات يسألنني عن الحجاب، وبعضهن عن الزواج، وبعضهن عن الدراسة والعمل، وبعضهن عن العلاقات العاطفية، وبعضهن يشعرن أن الخطاب الديني يركز كثيرًا على ما يجب على المرأة أن تفعله، ولا يتحدث بما يكفي عن حقوقها وكرامتها واحتياجاتها النفسية.

كما أن بعض الفتيات اللواتي أتعامل معهن لا يحتملن أسلوب التوبيخ، وبعضهن إذا شعرت أنني أحكم عليها تنسحب تمامًا ولا تعود إلى اللقاءات. وأنا في الوقت نفسه لا أريد أن أتنازل عن الثوابت الشرعية بحجة جذب الفتيات.

فكيف يمكنني أن أبني منهجًا نسائيًّا دعويًّا معاصرًا يجمع بين الثبات على الدين وفهم نفسية المرأة واحتياجاتها؟ وكيف أتعامل مع الفتاة المخالفة دون أن أشعرها أنني عدوة لها؟ وكيف أحول اللقاء النسائي من درس وعظي تقليدي إلى مساحة للتربية وبناء الشخصية والإيمان؟

الإجابة 29/09/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أختي الكريمة، وبارك الله في رسالتك، فإن الدعوة النسائية اليوم من أهم مجالات العمل الدعوي؛ لأن المرأة لا تحتاج فقط إلى من يعلمها الأحكام، وإنما تحتاج إلى من يفهم تجربتها، ويسمع أسئلتها، ويحترم إنسانيتها، ويأخذ بيدها إلى الله دون أن يهدم ثقتها بنفسها.

 

وأول ما ينبغي أن تدركيه أن الفتاة المعاصرة ليست مجرد «مخالفة تحتاج إلى تصحيح»، وإنما هي إنسانة لها أسئلة ومخاوف وتجارب وصراعات وضغوط. ولذلك فإن أول مهارة تحتاج إليها الداعية النسائية ليست كثرة الكلام، وإنما حسن الاستماع.

 

وقد قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]. فقبل أن يصل العلم إلى عقل الإنسان، يحتاج القلب إلى الشعور بالأمان.

 

واجعلي اللقاء النسائي قائمًا على ثلاثة أبعاد: «أفهمك، أبصّـرك، أساعدك». ففي البداية استمعي إلى السؤال كما هو، لا كما تتوقعين أن يكون. إذا قالت فتاة: «أنا لا أحب الحجاب»، فلا تقفزي مباشرة إلى المحاضرة، بل اسأليها: ما الذي يجعلك لا تحبينه؟ هل المشكلة في الحكم نفسه؟ أم في تجربة اجتماعية؟ أم في نظرة الناس؟ أم في صورة دينية معينة رأيتها؟ ثم بعد ذلك يصبح الحوار أكثر واقعية.

 

ولا تخافي من الأسئلة الصعبة. السؤال ليس دائمًا تمردًا؛ أحيانًا يكون بداية الطريق إلى اليقين. الخطأ أن نقتل السؤال بالسخرية أو التخويف. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. فإذا سألت الفتاة سؤالًا لا تعرفين جوابه، فلا تجيبي جوابًا مرتجلًا، وإنما اطلبي مهلة للبحث.

 

وفي قضية الحجاب مثلًا، لا تحولي الموضوع إلى اختبار أخلاقي للفتاة: «إما أن تتحجبي فأنت ملتزمة، وإما فأنت بعيدة عن الدين».

 

هذه طريقة تربوية خاطئة؛ فالإنسان قد يجمع بين طاعات ومعاصٍ، وقد يكون عنده خير كثير مع تقصير في جانب.

 

افتحي لها باب الفهم والمحبة والتدرج، وعرّفيها بالحجاب في سياق منظومة العبودية والحياء والكرامة، دون أن تحولي المرأة إلى مظهر فقط.

 

وفي قضايا الزواج، لا تجعلي الرسالة النسائية مجرد إعداد الفتاة لتكون زوجة، بل أعديها لتكون إنسانة سوية تعرف ربها، وتحترم نفسها، وتعرف حقوقها وواجباتها، وتفهم مسؤوليات الأسرة، وتستطيع اتخاذ القرار، وتحسن إدارة الخلاف. وكذلك في العمل والدراسة؛ ينبغي أن ترى الفتاة أن الإسلام لا يريد منها أن تكون هامشًا في الحياة، وإنما يريد منها أن تكون عنصرًا صالحًا نافعًا بحسب ما يقرره الشرع والقدرة والمصلحة.

 

ومن المهم جدًّا أن تتعلمي بعض أساسيات علم نفس النمو وعلم النفس التربوي والاجتماعي؛ لأن الفتاة في الرابعة عشـرة ليست كالفتاة في الرابعة والعشـرين، والمرأة المتزوجة ليست كالمراهقة، والمرأة التي تعيش أزمة أسرية ليست كمن جاءت لتتعلم. وكلما فهمتِ المرحلة العمرية والسياق النفسي والاجتماعي، استطعتِ أن تختاري الرسالة والوسيلة المناسبة.

 

وأقترح أن تتحول اللقاءات من محاضرات طويلة إلى «مجالس تربوية تفاعلية». اجعلي نصف اللقاء تقريبًا عرضًا منظمًا، والنصف الآخر حوارًا وأسئلة وتطبيقات.

 

ناقشـي موضوعًا مثل «كيف أتعامل مع المقارنة؟»، ثم اطلبي من المشاركات أن يذكرن صور المقارنة التي يعشنها، ثم اربطيها بالقرآن والإيمان، ثم أعطيهن تمرينًا عمليًّا للأسبوع.

 

ويمكنك أن تبني برنامجًا من اثني عشـر لقاءً: معرفة النفس، علاقتي بالله، الصلاة، القرآن، الحياء، صورة الجسد، المقارنة الاجتماعية، العلاقات العاطفية، الأسرة، الدراسة والعمل، التعامل مع المنصات، ثم مشـروع شخصـي للحياة. بهذا تصبح الدعوة عملية وليست مجرد معلومات.

 

واحذري كذلك من جعل المرأة موضوعًا دائمًا للمنع والتحذير. نعم، هناك أحكام وحدود، لكن الإسلام أيضًا خطاب كرامة ومسؤولية وأمل. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فخاطبي عقلها وقلبها وكرامتها ومسؤوليتها معًا.

 

والدَّاعية النسائية الناجحة ليست التي تجعل الفتيات يخشينها، وإنما التي تجعل الفتاة إذا وقعت في مشكلة تقول: «أعرف امرأة آمنة أستطيع أن أذهب إليها». وهذه منزلة عظيمة؛ لأنها تجعل الداعية جسرًا إلى الإصلاح قبل أن تكون منصة لإلقاء المواعظ.

 

وأنصحك ختامًا بالآتي:

 

استمعي أكثر مما تتكلمين، ولا تسخري من الأسئلة، ولا تخلطي بين المخالفة وبين فساد الإنسان كله، وتعلمي أساسيات علم النفس والتربية، واجعلي لقاءاتك تفاعلية، واحفظي أسرار الفتيات، ولا تحولي المجالس النسائية إلى ساحات للتشهير أو المقارنة، واجعلي كل لقاء ينتهي بتطبيق عملي يمكن للفتاة أن تفعله في بيتها وحياتها.

 

وأسأل الله أن يجعلك مفتاح خير للفتيات والنساء، وأن يرزقك الحكمة والرحمة، وأن يفتح على يديك قلوبًا مغلقة، وأن يجعل دعوتك سببًا في بناء نساء مؤمنات واعيات نافعات لأنفسهن وأسرهن ومجتمعاتهن.

 

روابط ذات صلة:

كيف نجدد الخطاب الدعوي النسائي ليكون جذابًا ومعاصرًا؟

آفاق الدعوة النسائية في الفضاء الرقمي

الدعوة النسائية بين الأصالة والمعاصرة

الدعوة النسائية.. كيف نوصل الرسالة دون انقطاع؟

التعليقات

الرابط المختصر :