الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
76 - رقم الاستشارة : 5630
19/08/2026
هل أثرت مواقع التواصل الاجتماعي والرقمية على مفهوم الأبوة فغيرته عن مساره التاريخي السابق أم أنها فترة سيولة ويستعيد الأب دوره بصورة مغايرة؟
أخي
الكريم، الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي أوجدت شركاء للأب في عملية التربية
والتنشئة؛ فالأب لم يعد له التأثير الأكبر على الأبناء، وأصبح المجتمع الرقمي أكثر
تأثيرًا في تشكيل الأبناء أفكارًا وسلوكيات وتوقعات، وانحصر دور الأب إلى مجالات
ضيقة للغاية ترتبط بتوفير مستلزمات المعيشة وتأمين مدخولات للأسرة.
هل
تراجع دور الأب؟
أخي
الكريم، سؤال تراجع دور الأب في التربية داخل الاسرة هو سؤال إنساني، لا يختص به
مجتمع دون آخر، فبات الآباء يواجهون عقبات في تربية الأبناء وتوجيههم ومتابعتهم،
وعقبة في أن يكون الأب قدوة لهم؛ فالكثير من الآباء لا يمتلكون المعرفة التي
يمتلكها الأبناء عن العالم الافتراضي، الذين تفتح وعيهم عليه وتشبعوا بأفكاره،
وأصبحت الشاشة جزءًا أصيلاً من تكوينهم ووجدانهم.
والحقيقة
أن التكنولوجيا الرقمية أثرت على التربية ذاتها، ويتحدث علماء النفس والتربية عن
مفهوم "ضغط الأبوة والأمومة" الذي تزايد في العصر الرقمي، وهذا المفهوم
يعني "حالة من الضيق النفسي الناجم عن عدم التوازن بين المسؤوليات التي
يتحملها الفرد في دوره كوالد وقدرته على تلبية هذه المتطلبات"؛ فالعصر الرقمي
فرض تحديات كبيرة على الآباء، وأفقدهم قدرًا كبيرا من قدرتهم على السيطرة على
الأبناء وتوجيههم.
كما
جعل العصر الرقمي الأبناء -رغم صغر سنهم- ينظرون إلى أنفسهم أنهم يمتلكون معرفة
أكثر من الآباء، وقدرة أعلى منهم على الوصول للمعلومة والتعامل معها، وقدرة على
فهم ذلك العصر الذي أصبحت الرقمية هي المحرك الأساسي فيه، وبالتالي باتت كفاءة
الأب محل تساؤل من الأبناء، وهذا التساؤل جعل الأبناء يبحثون عن قدوات لهم في
العالم الافتراضي، بعد أن كان الآباء هم الملهمون للأبناء.
إعادة
تعريف دور الأب
مع
شكوك الأبناء في كفاءة الآباء، تراجع التعلق بهم، وأصبح انعزال الأبناء عن الآباء
أمرًا واقعًا ومُعاشًا داخل الغالبية من الأسر، وأصبح الأب يسعى لاقتناص دقائق
تكون فيها عينا الابن غير مثبتة على شاشة هاتفه الذكي.
التربية
التقليدية في السابق، يمكن أن يطلق عليها "التربية الوسواسية"، فقد كان
بعض الآباء يفرطون في رعية الأبناء وحمايتهم، ويتحكم الآباء بشكل صارم في الكثير
من تفاصيل حياتهم، ويغلف تلك التربية الخوف والمراقبة والتدخل الدائم.
لكن
هذا الأسلوب أخذ يتراجع في العصر الرقمي، فأصبح الأب على غير دراية بما يقوم به الابن
في العالم الافتراضي؛ فمع الخصوصية وإمكانية الوصول الدائم للإنترنت، أصبحت
الرقمية مجالاً مغلفًا بالسرية، ولا يستطيع الآباء الولوج إليه وممارسة الرقابة أو
السيطرة فيه على الأبناء.
يرى
البعض أن الأسرة في العصر الرقمي تبدو من بعيد أنها أكثر ديمقراطية، فالآباء لم
تعد السلطة الفردية حكرًا عليهم، وهو ما يعكس تراجعًا في تلك السلطة الأحادية، لكن
هذا التراجع كان له ثمنه على الأسرة وعلى العلاقات بين أفرادها، إذ أصبحت أقل
تماسكًا، وأكثر تعبيرًا عن الروح الفردانية وليس روح التكامل والتساند والتكافل
الذي كانت تتسم به الأسرة في السابق، فالخلل في توزيع المسؤوليات والصلاحيات داخل
الأسرة، أنتج خللاً في العلاقات وفي القيم الأسرية.
وختامًا
أخي الكريم، أظن أن دور الأب في العصر الرقمي يمر بمرحلة سيولة، وسوف يستعيد الأب
دوره ولكن بأساليب جديدة؛ فالكثير من الآباء أصبحوا أيضًا من مرتادي العالم
الافتراضي، وهذا ما يوجد مساحات مشتركة من التفاعل بين الآباء والأبناء، كما أن
الأبناء الحاليين لن تمضي سنوات قليلة حتى يكونوا هم آباء، وسيكون الجميع خاضعين
لمنطق الرقمية وقيمها.
موضوعات
ذات صلة:
هل يتآكل مفهوم الأسرة مع استقلالية أفرادها؟
هل هناك علاقة بين الرقمية والتفكك الأسري؟