الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
19 - رقم الاستشارة : 6329
07/11/2026
كيف أستطيع مقاومة ضغوط المجتمع عليّ، حيث إنني أتعرض لضغوط كثيرة وهذه الضغوط بعيدة عن فكرة المصلحة والنفع؟ كيف أمتلك تلك المهارة لمقاومة تلك الضغوط؟
أخي
الكريم، ضغوط المجتمع على الإنسان قد تفوق أي ضغوط أخرى، وهذه الضغوط قد تؤثر
بالسلب عليه وربما قادته إلى تغيير قناعاته وأفكاره إلى الاتجاه المعاكس الذي لا
يؤمن به ولا يرغبه تجنبًا لنقد المجتمع، ولهذا كانت دعوات الأنبياء عليهم السلام
والمصلحين هي سير عكس التيار السائد في المجتمع، ولذا كانت القوة النفسية التي
يتمتعون بها هي الوقود الذي يحفزهم على إكمال الطريق، وتفادي تلك الضغوط المجتمعية
الهائلة.
كيف تقاوم ضغوط المجتمع؟
أخي الكريم، مهارة المقاومة
النفسية للضغوط المجتمعية هي درع واق للنفس والروح والأحلام من الانكسار والتلاشي،
لكن عمق هذه المقاومة هي رؤية فكرية وفلسفية لبناء وعي بالذات قادر على التغلب على
تلك الضغوط وتجاوز إكراهاتها، نحو الوصول للهدف والغاية التي يصبو إليها الإنسان، ومن
ثــم فنحن أمام إصلاح لتصورات ذهنية لاستعادة الذات من الذوبان.
أخي
الكريم، هناك عدة نصائح لبناء مقاومة نفسية، لكن أغلبها يتعلق بقدرتك على إصلاح
أفكارك وإدارة مشاعرك، حتى تكتسب القوة النفسية، ومن ذلك:
*
التحرر من وهم الكثرة والإجماع: قديمًا كانت تمارس المجتمعات
والقبائل أسلوب "الإقصاء" للمخالف، وكان أسلوبًا قويًّا في
"إجبار" الفرد للعودة للتيار العام داخل المجتمع أو القبيلة، وفي العصر
الحديث تطور "الإقصاء" ليكون مهنيًّا ومؤسسيًّا، مثل حجب وظائف معينة عن
الشخص المخالف، أو حرمانه من ترقيات أو منح معينة يستحقها لدفعه إلى تغيير رأيه.
لكـن..
يجب أن تدرك أن الذين يقاومون الأفكار الجديدة، ليسوا كل المجتمع، ولكن قلة ذات
مصالح ورؤى معينة لكنها قد تكون ذات صوت عال، أو تملك بعض مفاتيح التأثير والقوة
مثل: المال والسلطة، لكن –في كثير من الأحيان- الغالبية أو الكثرة غارقة في
مشكلاتها الحياتية وتدبير معاشها، ومن ثم فالمجتمع لا يضغط عليك بكامله، وتصحيح
هذا التصور يخفف عنك عبء المواجهة، ويقنعك بأنك تواجه قِلة قليلة وليس كثرة كاثرة،
وربما هذا ما يقوي صلابتك النفسية ويقوي عزيمتك ويشحذ همتك.
* تبني منهجية الشك: الشك
يمنح الإنسان قوة نفسية هائلة لمواجهة الضغوط المجتمعية، بشرط أن يكون شكًّا منهجيًّا
وواعيًا لا استسلاميًّا؛ فالمجتمع يبني قوته على "اليقين الجماعي"
والأعراف الجاهزة التي يفرضها على الأفراد، وعندما يبدأ الشخص في الشك، فإنه
يفكك هذا الحصار النفسي الذي يحيط بالإنسان،
ولذلك جعل الفيلسوف "سقراط" الشك هو بداية الحكمة.
وكانت المدرسة الرواقية، وهي مدرسة تأسست قبل 300 عام
قبل الميلاد، وكانت ذات فلسفة أخلاقية، ترى أن الضغط النفسي لا يأتي من الأشياء
نفسها؛ بل من رأينا في هذه الأشياء ورؤيتنا لها، ومن ثم فالشك قد يدفع الشخص إلى
فحصٍ واعٍ للأحكام المجتمعية والتحري عن مدى صوابيتها ونفعها، وهو ما يمنح ذلك
الشخص قدرًا من اليقين في ذاته وقدرة على الابتعاد خطوات عن تأثير المجتمع وضغطه،
فالشك في الأفكار التقليدية للمجتمع يمنح الإنسان، في كثير من الأحيان، المقدرة
على التطور.
في كتابه "الشك الراديكالي: تسخير قوة
الشك" يرى مؤلفه البروفيسور "بيدهان بارمار" الأستاذ
بجامعة فرجينيا الأمريكية أن الشك ليس ضعفًا، بل هو أداة ممتازة لاتخاذ قرارات حرة
ومستقلة بعيدًا عن القوالب الجاهزة، وطرح الكتاب عدة استراتيجيات لتحويل عدم
اليقين والضغوط المختلفة إلى فرص للنمو، من خلال التشكيك في غرائزنا الاجتماعية
والأنماط المفروضة علينا بدلاً من الهروب منها، وقال: "إن الشك، على عكس
المتوقع، هو أعظم أدواتنا في اتخاذ القرارات".
* الحرية والنضج والتمايز النفسي: طرح عالم النفس
الشهير "موراي بوين" مفهوم التمايز النفسي، وهو يعني "قدرة الفرد
على فصل أفكاره ومشاعره الذاتية عن المحيط الاندفاعي للعائلة أو المجتمع"؛ فالشخص
قليل التميز، يشبه الإسفنجة يمتص قلق المجتمع، وتأتي أفعاله وتصرفاته وفق ما يريده
الآخرون، أما الشخص المتميز، فإنه يرفض أن يذوب في المجموع، ويصر ويقاوم أن تبقى
شخصيته متميزة وليست وفق ما يريده الآخرون، ولعل هذا ما يجعل هذا الفرد يميل إلى
المناقشة الجادة والمنطقية مع الطرح المخالف، ولا يلجأ إلى التبرير والتكيف المرهق
مع ضغوط المجتمع.
موضوعات ذات صلة:
الصلابة النفسية.. كيف نحييها في حياتنا؟
ما هي أخلاق الفقر وتأثيرها على المجتمع؟
فخ اليقين.. كيف يقودنا للجمود الفكري؟
كيف أنقذ عقلي من إدمان الشكوى؟
لماذا يلجأ الشباب للتفكير التبريري؟