كيف تؤثر نظرية دوامة الصمت على سلوك الجماهير؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : فكر معاصر
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 4
  • رقم الاستشارة : 6031
03/10/2026

هل يؤثر رأي الأغلبية على الآراء الأخرى فيجعلها تلتزم الصمت والعزلة، وبالتالي يقمع الشخص لرأيه خوفًا من النقد والتهميش الاجتماعي، وبالتالي تزيد دوامات الصمت في المجتمع؟

الإجابة 03/10/2026

أخي الكريم، أصعب ما يواجه فكر ورأي أي إنسان، هو شعوره أنه يسير عكس التيار السائد، وأن رأيه يخالف الأغلبية، وتتملكه خشية من قمعها، وخوفًا من العزلة والتهميش إذا لم يتوافق مع رأي الجماعة حتى ولو كان رأيه وموقفه صحيحًا، يقول المؤرخ والمفكر الفرنسي "دي توكفيل": "أشدّ ما أخشاه على المجتمعات هو استبداد الأغلبية، حيث يُمحى رأي الفرد العاقل تحت ضغط الجماعة الصاخبة".

 

وقد طرحت عالمة السياسة الألمانية "إليزابيث نويل نيومان" عام 1974م، نظرية لتفسير هذه الظاهرة أسمتها "دوامة الصمت" والتي تنص على أن الأفراد يلتزمون الصمت ولا يعبرون عن آرائهم المخالفة للأغلبية خوفًا من العزلة الاجتماعية أو التهميش، مما يمنح وسائل الإعلام دورًا مركزيًّا في توجيه الرأي العام وإظهار رأي معين كأنه السائد والمطلق.

 

ماهية دوامة الصمت

 

أخي الكريم، الفجوة بين ما يعتقده الأفراد في ذاتهم وبين ما يعبرون عنه علنًا، تحتاج إلى فهم وتفسير؛ لأنها تكشف عن حجم التناقض الكبير في اعتقاد الشخص ورأيه الحقيقي، وبين رأيه المعلن، والذي يتأثر بعوامل متعددة من أهمها الخوف من معارضة الأغلبية أو عاقبة التهميش له، ولذا يظن أن الأنفع له أن يتوافق مع الرأي السائد والتيار العام وألا ينفرد برأي أو موقف، فيضحي بذاته من أجل التوافق مع الأغلبية.

 

الإنسان كائن اجتماعي بطبعه ويخشى العزلة أو التهميش، فقبل أن يعبر عن رأيه أو موقفه ينظر إلى من حوله ويتحسس أين تقف الأغلبية، ليتخذ قراره النهائي، والذي يأتي في كثير من الأحيان مدفوعًا بالرغبة في التوافق والانسجام مع الموقف العام للجماعة، فيكون الخوف من النبذ والعزلة هاجسًا للالتزام بالصمت، وهذا الصمت يزيد من قوة الأغلبية وعنفوانها، ليصبح الرأي المخالف ضئيلاً في عدده ضعيفًا في صوته لا يجد منابر إعلامية للتعبير عن نفسه.

 

الإجماع الوهمي: مع تآكل الآراء المخالفة يتعاظم حجم الأغلبية حتى تصير إجماعًا، لكنه إجماع ظاهري ووهمي وليس إجماعًا حقيقيًّا، ورغم ذلك يمتلك هذا الإجماع قدرات وآليات متعددة لقمع أي معارضة أو رأي مخالف، إذ يتحول الإجماع إلى قوة ضغط لا يستطيع أي شخص بمفرده أن يواجهها، وربما نتذكر مقولة المؤرخ طارق البشري: "سيظل الحاكم فردًا ما دام الناس أفرادًا"، وبالتالي يضعف الرأي المخالف أمام الصمت الممنهج.

 

الخضوع لرأي الأغلبية: تبدأ دوامة الصمت في العمل مع اعتقاد الفرد أن رأيه ينتمي إلى الأقلية، فيصيبه ذلك بالخوف من الإقصاء فيلوذ بالصمت، وكلما صمتت الأقلية، ظهر رأي الأغلبية أكثر قوة، مما يدفع المزيد من أصحاب الرأي الآخر إلى الصمت، وهكذا تدور دوامة الصمت لتبتلع الآراء المخالفة، وفي علم النفس الاجتماعي، لا يشترط الخضوع للأغلبية أن تكون الأغلبية "على حق" أو أن تفوق الأقلية عددًا بالضرورة، بل يكفي إدراك الفرد بأن هذا هو الرأي المسيطر والمقبول اجتماعيًّا.

 

القرآن الكريم حذر من الخضوع لرأي الأغلبية والأكثرية رافضًا أن تكون معيارًا للخير والصواب، بل يقرر القرآن الكريم قاعدة تربوية مفادها أن الكثرة العددية غالبًا ما تقترن بقلة الوعي، والضلال، والجهل بالحقائق الشرعية والكونية، وفي المقابل، يمتدح القرآن الأقلية التي تلتزم بالحق، والإيمان، والعمل الصالح، ولذلك قال الصحابي الجليل "عبد الله بن مسعود": "الجماعةُ ما وافَقَ الحقَّ، وإنْ كُنْتَ وَحْدَكَ"، ويذكر المفكر "مالك بن نبي" أن "الكثرة العددية بلا فكرةٍ موجهة هي مجرد غُثاء، والتأييد الأعمى للمجموع دون وعيٍ هو تخديرٌ للعقل".

 

وختامًا أخي الكريم: لا يمكن لدوامة الصمت أن تكتمل بدون محرك أساسي، وهو الإعلام بكافة منصاته وأدواته، حيث يتمتع الإعلام بقدرات خارقة على تضخيم آراء حتى يظنها الناس أغلبية، ثم توجيه تلك الأغلبية لتكون إجماعًا، وتوجيه هذا الإجماع ليكون قهرًا وقمعًا لكل رأي مخالف.

 

موضوعات ذات صلة:

ما هي أخلاق الفقر وتأثيرها على المجتمع؟

فخ اليقين.. كيف يقودنا للجمود الفكري؟

ماذا نقصد بالموضوعية وما أهميتها في التفكير؟

لماذا يلجأ الشباب للتفكير التبريري؟

التعليقات

الرابط المختصر :