كيف تتجاوز الفتاة صدمتها في أبيها وتتعافى من «الإباحية»؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : التوبة والإنابة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 38
  • رقم الاستشارة : 5861
20/09/2026

كان أبي مدمن إباحية وقد عرفت ذلك وأنا ابنة التاسعة، ورأيت ذلك رأي العين، وخيانته لأمي… ولم أكن أعرف أصلا ماهية ذلك، فبجهل مني أدمنتها كذلك، ثم كبرت وأدركت أن الأمر حرام وتدينت والتزمت وتبت ولا أزال أتوب وأبكي وأحلف ثم أعود.

لا أستطيع الذهاب لدكتور أو استشاري لأسباب. الآن أعود تقريبًا كل شهر مرة أو مرتين على الأكثر.

أحسست مؤخرًا أنه حتى رغبتي الجنسية قد ذهبت مقارنة بسني الصغير خصوصًا. ولومي لأبي في داخلي يكسرني، ورغم محبته لي كلما رأيته تذكرت تلك المشاهد ومقتُّه رغما عني.

لا أدري ما أفعل، وهل يعتبر هذا إدمانًا؟ وهل هو إدمان صعب؟ وهل أستطيع التغلب عليه بنفسي؟ أبكي طول الوقت خشية أن أموت على ذلك وأنا غير واعية، أو أن يسخط الله عليَّ، أو ألا يغفر لي، أو أن تستمر حياتي في الفشل على كل الجهات، أو ألا أستطيع الزواج، أو أن أتزوج وتحدث مشاكل. أنا في حيرة من أمري.

نصائحكم ودعواتكم.

الإجابة 20/09/2026

مرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، ويثبِّت قلبك على الطاعة، وأن يباعد بينك وبين المعاصي، وأن يفيض عليك من السكينة والطمأنينة ما يُقرُّ به عينك، وأن يغفر ذنبك، ويطهِّر قلبك، ويكفيك بحلاله عن حرامه وبفضله عمَّن سواه، وبعد...

 

فقبل أي شيء أطمئنك أولًا يا ابنتي بأن كتابتك هذه الرسالة بهذا الصدق في الندم والرغبة الواضحة في المعافاة والتطهر، هي دليل قوي على حياة قلبك وصدق إيمانك؛ فإن المؤمن هو من تسوؤه سيئته وتسرُّه حسنتُه.

 

وإن ما مررتِ به في طفولتك يا ابنتي ليس بالأمر الهين؛ فقد تعرضتِ لصدمة مبكرة في أبيك أورثتك جرحًا نفسيًّا وسلوكا قسريًّا لم تكتشفي خطره إلا بعدما كبرتِ، وهذا يرفع عنك جزءًا كبيرًا من إثم البدايات؛ لأنك كنتِ طفلة جاهلة غضَّة الإدراك، لا تعين ما تفعلين.

 

هل هذا إدمان؟ وهل هو صعب؟

 

إن ارتكابك لهذا الفعل مرَّة أو مرتين في الشهر لا يُصنَّف علميًّا ولا سلوكيًّا على أنه إدمان شديد. فالإدمان الشديد القهري هو الممارسة اليومية المنتظمة التي تترافق مع تعطيل لحياة الإنسان وواجباته. ولكن ما تعانينه الآن هو مجرد بقايا سلوك قهري، أو انتكاسات متباعدة ناتجة عن ضغوط نفسية أو فراغ أو توتر.

 

وكونك انتقلت من الممارسة الدائمة إلى مرة أو مرتين شهريًّا يُعد إنجازًا كبيرًا وخطوة واسعة في طريق التعافي. إنك يا ابنتي قطعت الخطوات الأكثر في العلاج فعلًا، والمتبقي هو خطوات قصيرة أخيرة تتطلب منك فقط العزم والصبر.

 

هل تستطيعين التغلب عليه بنفسك؟

 

نعم، وبكل تأكيد تستطيعين. فما دمتِ قد استطعتِ بإيمانك وعزيمتك تحجيم هذا السلوك ليصل إلى مرة أو مرتين شهريًّا، فأنتِ تملكين قوة إرادة جيدة جدًّا. ونحن أو أي طبيب أو مستشار هو أداة مساعدة؛ لكن البطل الحقيقي في معركة التعافي هو أنت، بالاعتماد على الله واللجوء إليه ومراقبته -أولًا- ثم بتطبيق خطوات العلاج السلوكي المعرفي الذاتي، والتزام برنامج وقائي محكم بتجنب الأسباب التي تدفعك للعودة.

 

كيفية تتعاملين مع مشاعر النفور تجاه والدك؟

 

أما عن والدك ومشاعرك تجاهه، فإن رؤيتك له في وضع يتنافى مع القدوة أحدث لديك صدمة تربوية، هي السبب الرئيسي في شعورك بالتشتت والمقت. ولعلاج ذلك أنصحك بالتالي:

 

1- الفصل بين مقام الأبوة ومقام المعصية: والدك بشر يصيب ويُخطئ، وقد ابتُلي بضعف ونزوة؛ لكنه في المقابل يحبك بالتأكيد، وله عليك حق البر والإحسان، كما أمر الله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].

 

2- الشفقة لا المقت: انظري لأبيك بعين الشفقة لإنسان مبتلى بآفة يحتاج من يعينه للتعافي منها، ولا تنظري إليه بعين الاستعلاء والكراهية، لمجرد أنه سقط في ذنب قد يسقط فيه أي إنسان.

 

3- تحويل الألم إلى دعاء: كلما تذكرتِ تلك المشاهد التي رأيت والدك فيها وتألمتِ، توجهي إلى الله بالدعاء: «اللهم اغفر لأبي واهده واستر عيوبه»، فتفرِّغين طاقة الغضب والكراهية في الدعاء له ولك.

 

وكم من الصحابة والصالحين كان لهم آباء وأمهات يرتكبون المعاصي؛ بل كان بعضهم من المشركين، فكان الابن يكثر الدعاء لله بأن يهدي أباه أو أمه ويغفر لهما، مداومًا على بره لهما وإحسانه إليهما، فكان هذا الدعاء وهذا البر والإحسان سببًا في توبتهما وإيمانهما وإصلاحهما.

 

انخفاض الرغبة الجنسية وتأثيرها على زواجك

 

تخوفك من انخفاض الرغبة الجنسية وتأثيره على مستقبلك هو خوف وهمي ناتج عن القلق، والإجهاد النفسي والعصبي، فمشاهدة المواد الإباحية تمنح العقل إثارة فائقة غير طبيعية، ومع الشعور المتواصل بالذنب والجلد الذاتي والخوف، يحدث انقباض في النفس وانسحاب للرغبة الطبيعية.

 

إن الرغبة لم تذهب؛ بل هي في حالة سكون مؤقت؛ لأن العقل عندما يقع تحت ضغط شعور الذنب من اللذة المصطنعة يُغلق منافذ الشعور باللذة الطبيعية حمايةً للنفس. وبمجرد انقطاعك الكامل عن المشاهدة واستقرارك النفسي، ومع وجود الزواج الحلال والعاطفة الصادقة والارتباط الروحي، ستستعيدين رغبتك الطبيعية بالكامل بإذن الله، فلا تقلقي إطلاقًا بشأن الزواج.

 

مخاوف سوء الخاتمة وسخط الله

 

خوفك من الموت على معصية، أو ألا يغفر الله لك، هو سهم من أسهم الشيطان يريد به إيقاعك في القنوط من رحمة الله، وهذا أعظم خطرًا من الذنب نفسه.

 

تأملي يا ابنتي ماذا قال الله -عز وجل- لأمثالك من التوابين؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

 

وقال رسول الله: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» [رواه مسلم].

وقال أيضًا: «إنَّ عَبدًا أصابَ ذَنبًا، فقال: رَبِّ أذنَبتُ فاغفِرْ لي، فقال رَبُّه: أعَلِمَ عَبدي أنَّ له رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ ويَأخُذُ به؟ غَفَرتُ لعَبدي، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللهُ، ثُمَّ أصابَ ذَنبًا، فقال: رَبِّ أذنَبتُ آخَرَ، فاغفِرْه، فقال: أعَلِمَ عَبدي أنَّ له رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ ويَأخُذُ به؟ غَفَرتُ لعَبدي، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللهُ، ثُمَّ أذنَبَ ذَنبًا، قال: رَبِّ أصَبتُ آخَرَ، فاغفِرْه لي، فقال: أعَلِمَ عَبدي أنَّ له رَبًّا يَغفِرُ الذَّنبَ ويَأخُذُ به؟ غَفَرتُ لعَبدي، ثَلاثًا، فليَعمَلْ ما شاءَ» [متفق عليه]. وقد فسر العلماء هذا الحديث بأنه ما دام العبد يذنب ثم يندم ويستغفر ولا يصر، فإن الله يغفر له دائمًا.

فاعلمي يا ابنتي أنك ما دمت تسقطين ثم تقومين وتبكين وتستغفرين، فأنت على الطريق الصحيح، والله يفرح بتوبتك ويحب إقبالك عليه.

 

مقترحات عملية للتخلص من هذه العادة

 

للخروج من دائرة العودة لهذه العادة مرة أو مرتين شهريًّا، أضع بين يديك هذه الخطوات العملية، لعلها تنفعك إن شاء الله:

 

1- فهم الدوافع والمحفزات: راقبي نفسك؛ متى تحدث هذه المرة شهريًّا؟ هل أثناء فترة التغيرات الهرمونية قبل أو بعد الدورة الشهرية؟ أم عند الشعور بالوحدة والفراغ والتوتر النفسي، للهرب من الضغوط؟ فإذا عرفت السبب، عالجيه بعيدًا عن الشاشة، مثل: الخروج للمشي، أو ممارسة الرياضة، أو هواية تحبينها، أو التواصل مع صديقة صالحة.

 

2- اقطعي الأسباب والوسائل: اجعلي هاتفك دائمًا خارج غرفة النوم عند نومك ليلًا، وثبتي تطبيقات حجب المواقع غير اللائقة على جميع أجهزتك، وأغلقيها برمز سري عشوائي لا تحفظينه، وتجنبي الجلوس بمفردك في الغرفة المغلقة مع الهاتف لفترات طويلة.

 

3- أكثري من الأعمال الصالحة: قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. وقال رسول الله: «أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» [رواه الترمذي]. فكلما حدثت لك انتكاسة، قومي فورًا وتوضئي وصلي ركعتين توبة، وتصدقي بشيء يسير من المال، أو صومي يومًا. فهذا يجعل الشيطان يندم على إيقاعك في الذنب؛ لأنك تخرجين منه بطاعات أعظم.

 

4- أشغلي وقتك بالنافع: كالدورات العلمية، أو هواية تحبينها، أو ممارسة الرياضة، أو القراءة، أو حفظ القرآن الكريم. وأحيطي نفسك بصحبة صالحة تُعينك على الخير، وتملأ حياتك بالأنشطة الطيبة والترويح المباح.

 

وختامًا يا ابنتي، ثقي تمامًا بأنك لست فاشلة، بل أنت مجاهدة في سبيل الله تزكين نفسك وتطهرينها. وإن الطريق إلى الله قد تتخلله كبوات؛ لكن العبرة بالنهايات والصمود. فأزيحي عن كاهلك الخوف والهم، واستقبلي أيامك بأمل، وأقبلي على والدك بالبر والدعاء، وعلى مستقبلك بالثقة واليقين في رحمة الله وفضله.

 

أسأل الله أن يمسح على قلبك ببرَد الطمأنينة، وأن يطهِّر روحك وجسدك من كل سوء، وأن يعصمك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يباعد بينك وبين المعاصي، ويجعلك من التوابين المتطهرين، وأن يرزقك زوجًا صالحًا يعينك على دينك ودنياك، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

صدمة القدوة.. ماذا أفعل حين أرى أبي الداعية يخون أمي؟

مسؤولية القدوة في الإصلاح الاجتماعي

التعليقات

الرابط المختصر :