الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
18 - رقم الاستشارة : 6203
31/10/2026
أنا أم عايشة في دوامة قلق دائم على ابني الشاب (عنده 22 سنة)، وهو سندي في الدنيا والعائل الوحيد للبيت في ظروفنا الصعبة دي، واضطر يشتغل دليفري بموتوسيكل عشان يساعدنا نلاقي لقمة العيش.
من ساعتها وأنا جالي إحساس رهيب ووساوس مش بتفارقني طول ما هو بره البيت. ما باهدى ولا باستقر غير لما أشوفه فاتح الباب وداخل عليا سليم.
عقلي بيتهيأله دايمًا إنه هيعمل حادثة بشعة، وإنه هيجيلي خبر وفاته أو إنه يتصاب بإعاقة، وبشوف السيناريوهات المرعبة دي قدام عيني كأنها حقيقة بتحصل قدامي.
مبقتش أنام زي الناس، وكل ما يتأخر عن معاده، أو التليفون يرن، أو أسمع صوت فرامل مفاجئة في الشارع، قلبي بيدق جامد وأحس بحالة هلع واختناق فظيعة. بحاول كتير أستغفر وأقرر قرآن، بس الوساوس دي بترجع أقوى وأشرس، وخايفة أكون كده بسئ الظن بالله، أو إن القلق السلبي ده يأثر على ابني أو على علاقتي بربنا.
فازاي أتخلص من الوساوس المرعبة دي؟
وهل فيه أذكار أو أدعية معينة تحميني وتحميه من الهواجس دي؟ وجزاكم الله عنا كل خير.
مرحبًا بك أيتها الأم الفاضلة، وأشكرك على
تواصلك معنا وثقتك بنا، وأسأل الله العلي القدير أن يشرح صدرك، وأن يربط على قلبك،
وأن يكفيك وولدك كل هم وغم، وأن يحفظه لك سالمًا غانمًا بارًّا، وبعد...
فإن قلب الأم هو أرق القلوب وأعظمها رعاية،
وحين يتعلق الأمر بفلذة الكبد والسند الوحيد في ظروف قاسية، يصبح هذا القلب مفعمًا
بالقلق والخوف، ويعيش معركة صامتة يخوضها كل لحظة يغادر فيها ابنك البيت سعيًا
وراء لقمة العيش.
لكن اعلمي أختي الفاضلة أن هذا الشعور الفجائي
بالهلع والسيناريوهات المظلمة هو مجرد مدخل من مداخل الشيطان ليحزنك ويحرمك
طمأنينة التوكل. يقول الله -تعالى- في كتابه الكريم: ﴿إنَّمَا النَّجْوَى مِنَ
الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضَارِّهُمْ شَيْئًا إلا
بِإذْنِ اللَّهِ وعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10]،
ويقول جل شأنه: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكم بِالْفَحْشَاءِ
وَاللَّهُ يَعِدُكم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
[البقرة: 268]. فالشيطان لا يكتفي بترهيب الإنسان بالفقر، بل يرهبه بفقد الأحبة
والترويع فيهم والحزن عليهم، ولكن باب الخلاص من هذا الكيد مفتوح، والمخرج قريب،
متى ما أخذتِ بالأسباب الشرعية والنفسية والعملية.
جذور الوساوس وكيفية التعامل معها
إن الوساوس القهرية وهواجس الفقد والموت التي
تهاجمك حين يتأخر ابنك ليست دليلًا على ضعف إيمانك، بل هي انعكاس لعمق حبك وخوفك
عليه في ظل ظروف معيشية صعبة وضغوط نفسية متراكمة. والشيطان يستغل نقاط ضعفنا
ليقذف في قلوبنا الرعب. وقد أخبرنا النبي ﷺ عن هذه الوساوس وكيفية علاجها، فعن أبي
هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول: من خلق كذا؟ من
خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته» [رواه
البخاري]، وفي رواية أخرى: «فليقل: آمنتُ بالله» [رواه مسلم]. وتوجيه النبي ﷺ هنا
واضح: إعراض عن الوسواس، واستعاذة بالله، وإيمان بيقين.
وعليك -أختي الفاضلة- أن تفرقي بين الحذر
المشروع والوسواس المدمر. فالحذر المشروع يدفعك للدعاء لابنك وتذكيره بقواعد
السلامة، أما الوسواس فيرسم لك سيناريوهات كارثية لا تملكين من ردها شيئًا.
إن الأجل محتوم، والأعمار بيد الله وحده، ولن
يموت إنسان قبل استكمال رزقه وأجله. يقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ
لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: 34]، وتذكير العقل
بهذه الحقيقة يكسر حدة الهلع والخيال المرضي.
الخوف من سوء الظن بالله وتأثيره
تخشين أن يكون هذا القلق المفرط سوء ظن بالله،
أو أن يؤثر سلبًا على ابنك أو على علاقتك بخالقك. وأنا أطمئنك تمامًا: إن القلق
البشري الفطري الناتج عن شدة الحب والشفقة لا يُعد سوء ظن بالله ما دمتِ لم تقنطي
من رحمته -تعالى- ولم تعترضي على قضائه عز وجل. بل إن شعورك بالخوف مع لجوئك
الدائم للاستغفار وقراءة القرآن دليل على حياة قلبك وحرصك على طاعة الله.
ولكن انتبهي، فالتمادي في الاستجابة لهذه
الوساوس، والمبالغة في رد فعلك تجاهها، قد يؤدي بك إلى ما تخافين.
هل يؤثر هذا القلق على ابنك؟
نعم، فالشعور السلبي للأم ينتقل لابنها
شعوريًّا؛ والقلق الزائد قد يجعله مشتت التفكير، قلقًا على أمه، خائفًا من
المفاجآت، مما قد يقلل من تركيزه في عمله وفي القيادة. كما أن الاستغراق في
الهواجس قد يشغلك عن حلاوة المناجاة ويجعل علاقتك بالله مقرونة بالخوف لا بالرجاء
والتوكل. لذلك، من المهم تحويل هذا القلق إلى طاقة إيمانية دافعة عبر حسن الظن
بالله تعالى، فهو أرحم به منك، وهو الحافظ العليم بحاله وسعيه الشريف لطلب الرزق
الحلال.
أذكار وأدعية لحمايتك وحماية ابنك
لقد حبا الإسلام المؤمن بدرع حصين من الأذكار
القرآنية والنبوية العظيمة التي تكفي العبد وتكون سببًا في حمايته من شرور الهواجس
والوساوس وفجأة البلاء. وإليك باقة من هذه الأذكار:
- آية الكرسي: قراءتها دبر كل صلاة وعند الخروج من البيت.
- الإخلاص والمعوذتان: قراءة سور الإخلاص، والفلق، والناس، ثلاث
مرات صباحًا ومساءً وعند النوم.
- دعاء الخروج من البيت: عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا خرج الرجلُ من
بيتِهِ فقال: بسمِ اللهِ توكلتُ على اللهِ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، قيل له:
هُديتَ وكفيتَ وُوقيتَ، فتنحى عنه الشيطانُ فيقول له شيطانٌ آخر: كيف لك برجل قد
هُدي وكفي ووُقي؟» [رواه أبو داود]. فعلِّمي ابنك أن يقول هذا الذكر كلما خرج من
بيته.
- دعاء الاستوداع: وهو: «أستودعُ اللهَ دينَك وأمانتَك وخواتيمَ عملِك»
[رواه أحمد]، فقولي هذا الدعاء لابنك كل يوم وهو خارج لعمله، فإن الله إذا استُودع
شيئًا حفظه.
- دعاء كشف الكرب والهلع: كان النبي ﷺ إذا كربه أمر قال: «يا حيُّ يا
قيومُ، برحمتِك أستغيثُ» [رواه الترمذي].
اقتراحات لتجاوز هذه الدوامة
ولتجاوز هذه الدوامة بسلام، أنصحك بأمور عملية
يمكنك البدء بتنفيذها فورًا:
1- الدعاء: اجعلي خروج ابنك من بيته مقرونًا بابتسامة ودعاء له بصوت
مسموع، واجعلي هذا الدعاء مفتاحًا لقطع حبل الوساوس فور مغادرته.
2- اقطعي الوساوس فور ورودها: إذا تأخر عن موعده أو رن الهاتف، فبدلًا من
الاستسلام لسيناريوهات الهلع والتمادي فيها، قومي فورًا بعمل يقطع تسلسل الأفكار
والوساوس، كأن تتوضئي وتصلي ركعتين، أو تبدئي فورًا في الاستغفار بصوت عالٍ أو
التسبيح، أو حتى الانشغال بأعمال المنزل، ليعود عقلك ويهدأ قلبك.
إن الفراغ يغذي الوساوس، فتخلَّصي منه بقراءة
نافعة، أو بالاستماع لمحاضرة دينية تطمئن القلب، أو بعمل بيتك، أو التواصل مع
قريبة لك أو جارة صالحة.
3- التواصل المعتدل: اتفقي مع ابنك على اتصال قصير كل ساعتين أو
ثلاث للاطمئنان، بحيث لا تحاصريه باتصالات متكررة تشغله عن الطريق وعن عمله، وفي
الوقت نفسه ترتاحين بسماع صوته.
4- شكر النعمة: تذكري دائمًا أن ابنك في جهاد عظيم لطلب الرزق الحلال،
فاحمدي الله على هذه النعمة، وأنه ليس عاطلًا ولا منحرفًا، فهذا يطرد عنك شبح
الخوف.
وختامًا أختي الكريمة، إن الله عز وجل الذي
رزقك هذا الابن البار، هو أعرف بحاله وحالك، وهو القادر على أن يحفَّه برعايته
وعنايته. فاطمئني، واعلمي أن القلق لا يرد قضاءً، بل يزيد الهم بلا طائل، وأن
التوكل الحقيقي وحسن الظن بالله هما مفتاح الطمأنينة وراحة البال. جددي يقينك
بالله، واستودعي ابنك رب السماوات والأرض الذي لا تضيع ودائعه، وسترين قريبًا كيف
ينعكس هذا اليقين سكينةً وبردًا على قلبك وبيتك.
اللهم يا من لا تضيع ودائعه، أسألك باسمك
العظيم الأعظم، وبأسمائك الحسنى كلها، أن تحرس ابن هذه الأم بعينك التي لا تنام،
وأن ترده إليها سالمًا غانمًا معافى من كل سوء ومكروه. اللهم اجعل سعيه في لقمة
العيش في ميزان حسناته، واكفه شر حوادث الطرق وفجأة البلاء. اللهم اربط على قلب
أمه، وأفرغ عليها صبرًا وبردًا وسلامًا، واكفها شر الوساوس والهواجس، واجعل لها من
كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى
آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
كيف نتخلص من التشاؤم والوساوس والتفكير المفرط؟
لماذا تضخم عقولنا بعض مخاوفنا؟
كيف نقاوم توقع المصائب ووسواس الخوف على الأهل؟