الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : روح العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
30 - رقم الاستشارة : 4398
25/03/2026
أنا امرأة متزوجة وأم، أحاول قدر المستطاع أن أقرأ القرآن وأقوم بالعبادات، لكن حياتي مليئة بالضغوط: البيت، الأولاد، العمل، القلق والتوتر المستمر.
أحيانًا أتمكن من قراءة صفحة واحدة فقط بتركيز، وأشعر أني لا أستطيع المحافظة على انتظام عبادتي كما أريد.
هل الله يقبل جهدي؟
وهل أستحق الثواب رغم ضعف قراءتي وكثرة مشاغلي؟
مرحبًا بك أختي الفاضلة، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يبارك في عمرك، ويقر عينك بصلاح أبنائك، ويجعل بيتك واحة للسكينة والطمأنينة، وأن يتقبل منك القليل ويزيده ويبارك فيه، وبعد...
فإن ما تشعرين به من قلق وتوتر بسبب تقصيرك في العبادة هو في حد ذاته عبادة وقربة إلى الله؛ فالمؤمن الصادق هو من يشعر دائمًا بالتقصير في حق ربه مهما قدّم، وهذا الخوف من عدم القبول هو «الإشفاق»، و«وجل القلوب» اللذان مدحهما الله في كتابه، وذكرهما ضمن صفات المؤمنين المسارعين في الخيرات السابقين لها: ﴿إنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ . والَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ . والَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ . والَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وقُلُوبُهُمْ وجِلَةٌ أَنَّهُمْ إلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ . أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: 57- 61].
فأنت في جهاد حقيقي للموازنة بين الأمانات التي وضعها الله في عنقك؛ فأنت راعية في بيتك، ومسؤولة في عملك، ومربية لأبنائك، وهذا كله لا ينفصل أبدًا عن مفهوم العبادة في الإسلام.
هل يقبل الله جهدك؟
سؤالك «هل الله يقبل جهدي؟» ينطق به قلبك الوجل المشفق، والإجابة تكمن في معرفة من هو الله. إن الله -عز وجل- هو الشكور، ومن معاني اسمه الشكور أنه يقبل العمل القليل ويعطي عليه الأجر الجزيل، وأنه لا يضيع ذرة من جهد عبده الصادق.
يقول الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7]. فإذا كان الله لا ينسى مثقال الذرة، فكيف ينسى دمعة حزن في عينك لأنك لم تستطيعي إكمال وردك؟ وكيف ينسى تلك الصفحة التي تقرئينها وأنت في قمة تعبك وإرهاقك؟
تذكري دومًا قول الله عز وجل: ﴿لَا يُكلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. ووسعك الآن يتوزع بين تربية ورعاية وعمل، والله -سبحانه وتعالى- أعلم بظروفك منك، وهو يرى ما تبذلينه في خدمة عباده (أطفالك وزوجك) ويرى شوقك إليه، وسيجزيك بفضله على الشوق كما يجزيك على العمل.
الثواب على ضعف القراءة وكثرة المشاغل
أما عن استحقاقك للثواب، فإليك هذه البشرى العظيمة من نبيك الكريم ﷺ فقد قال: «الَّذي يقرأُ القرآنَ وهو ماهرٌ به مع السَّفَرةِ الكرامِ البَرَرَةِ، والَّذي يقرأُ القرآنَ ويتتعتعُ فيه وهو عليه شاقٌّ له أجرانِ» [رواه مسلم].
تأملي قوله: «وهو عليه شاقٌّ له أجرانِ»؛ أجر القراءة وأجر المشقة. وأنت يا أختي تعيشين مشقة مزدوجة: مشقة القراءة بتركيز وسط الضجيج، ومشقة الوقت الضيق. فالثواب هنا يتضاعف؛ لأن العبادة في وقت الفتن والضيق لها خصوصية ومكانة عند الله.
يُروى أن إحدى العابدات كانت تربي يتامى، فكانت تكتفي بالفرائض وبعض الأذكار، فسُئلت عن ذلك فقالت: «إني أحتسب لقمة أضعها في فم يتيم، وجبر خاطر طفل، عند الله كما أحتسب سجدة في جوف الليل». فهذا هو الفقه الحقيقي؛ أن تجعلي حياتك كلها عبادة.
فقه النية وقلب العادة إلى عبادة
إن رعاية الأبناء، والقيام بشؤون المنزل، والصدق في العمل، هي في ميزان الشريعة عبادات، إذا اقترنت بالنية الصالحة. فعندما تطبخين الطعام بنيَّة تقوية أهلك على الطاعة، فأنت في عبادة. وعندما تصبرين على بكاء طفلك بنية تربية مسلم صالح، فأنت في عبادة.
يقول النبي ﷺ: «إنَّما الأعْمالُ بالنِّيّاتِ، وإنَّما لِكلِّ امْرِئٍ ما نَوَى» [رواه البخاري]. لذلك، لا تنظري إلى عبادتك على أنها تلك الدقائق التي تمسكين فيها بالمصحف فقط، بل انظري ليومك كله كمحراب عبادة كبير. الصفحة التي تقرئينها بتركيز قد تكون عند الله أثقل من ختمة كاملة تُقرأ بقلب لاهٍ؛ فالعبرة بالكيف لا بالكم.
نصائح عملية لمواجهة القلق والتوتر
1- القليل الدائم: حافظي على صفحتك هذه ولا تتركيها، ففي الحديث: «أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ أدومُها وإن قلَّ» [رواه البخاري].
2- الذِّكر المطلق: إذا ثقل عليك الجلوس للمصحف، فلا يثقل عليك ذكر الله بلسانك وأنت تعملين؛ فالتسبيح والاستغفار يزيلان الهم ويجلبان البركة في الوقت.
3- الرضا عن الذات: لا تسمحي للشيطان بأن يحبطك، فهو يريد أن تتركي القليل الذي تفعلينه بحجة أنه غير كافٍ. قولي لنفسك: «أنا أفعل ما بوسعي والله يرى ويقبل».
وختامًا أختي الفاضلة، إن الله الذي استخلفك في هذه الأرض أُمًّا ومربية، يعلم أنك لستِ متفرغة تمامًا، ولذلك جعل لك أبوابًا من الأجر في صمتك وصبرك وخدمتك لأهلك. ثقي تمامًا أن جهدك مقبول، وأن ثوابك محفوظ، وأن الله يحب أن يرى منك هذا الحرص والصدق. فاستمري بما تستطيعين، وقليلُك عند الكريم كثير.
أسأل الله أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويجعل القرآن العظيم ربيع قلبك ونور صدرك، وأن يكتبك في الصابرين الشاكرين.
روابط ذات صلة:
وسط الهموم والمشاغل.. كيف أصل لمقام «الإحسان»؟
مشغول عن النوافل بتحصيل الرزق.. بشريات وحلول