الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 4795
11/05/2026
لي أحد الأقارب، رجل كبير تجاوز الستين من العمر، على المعاش، وكان يعمل في وظيفة مرموقة، لكنه في كل اجتماع عائلي يتكلم عن نفسه كثيرا ويستعرض علمه، ويتحدث عن قيمته لدى الناس، وكيف كان الناس في عمله يعظمونه ويهابونه ويعملون له حسابا، ويحب سماع المدح ممن حوله، ويتحدث كثيرا جدا، ويكرر القصص ذاتها في كل مرة، هذا غير أنه يريد أن يفرض رأيه فيما يطرح من نقاشات، خصوصًا على أولاده، معتقدًا أنه الوحيد الذي يمتلك الصواب، وأن علينا جميعًا أن نستمع له ونأخذ برأيه، غير مدرك لتجاوز الزمن كثيرا من أفكاره ورؤاه.
مع الأسف صار وجوده مزعجًا جدًّا في كل اجتماع يحضره، والجميع يتضايق من أسلوبه، لكن بالطبع نتحرج أن نصارحه بذلك أو نوقفه عما يفعل، فمجرد أن يلمح له أحد بهذا يثور ويغضب، وربما يقاطع من يفعل ذلك.
ماذا نفعل معه؟
مرحبًا
بك أخي الفاضل، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، وأن يرزقك سعة
الصدر والحكمة في القول والعمل، وأن يجزيكم خيرًا على صبركم على كبيركم، وأن يجعل
بيوتكم عامرة بالحب والتقدير، وبعد...
فقبل
البدء في وضع الحلول، لا بد أن ندرك أن الحالة التي يمر بها قريبكم -أطال الله في
عمره- هي حالة نفسية معروفة تصيب كثيرًا ممن كانوا يشغلون مناصب مرموقة ثم أحيلوا
إلى التقاعد. فجأة، يجد الإنسان نفسه بعيدًا عن الأضواء، بلا سُلطة، وبلا مظاهر
الوظيفة التي اعتادها لعقود. هذا الفراغ يولد لديه شعورًا بالخوف من التهميش،
فيلجأ لا شعوريًّا إلى استحضار الماضي واجترار أمجاده، ليعيد تأكيد ذاته أمامكم،
وليقول لكم: «أنا ما زلت هنا، وأنا لا أزال ذلك الشخص العظيم».
فضل
توقير الكبير والصبر عليه
لقد
وضع لنا الشرع الحنيف آدابًا في التعامل مع كبار السن، تقوم على الرحمة والتجاوز.
يقول الله -تعالى- في شأن الوالدين (وهو حكم ينسحب على كبار السن من الأقارب):
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: 24]. والذل هنا
ليس مهانة، بل هو تواضع ولين.
كما
أكد النبي ﷺ على هذه القيمة العظيمة بقوله: «ليسَ منَّا من
لم يرحَم صغيرَنا، ويعرِفْ شرَفَ كبيرِنا» [رواه الترمذي]. ومعرفة
شرف الكبير وتوقيره واحترامه لا يكون بالسلام عليه أو تقبيل رأسه فقط؛ بل بالصبر
على حديثه حتى لو كان مكررًا، وتجنب إحراجه مهما بدت أفكاره قد تجاوزها الزمن. فإن
مجرد استماعكم له هو صدقة جارية وصلة رحم تُؤجرون عليها.
كيفية
التعامل مع تضخم الذات وكثرة المديح
حين
يبدأ قريبكم في سرد بطولاته وتكرار قصصه، فهو في الحقيقة يطلب منكم أن تشعروه
بالتقدير. وإليكم بعض النصائح التي تفيد في ذلك بإذن الله:
1-
الإشباع العاطفي: بدلًا من انتظاره ليبدأ بمدح نفسه، بادروه أنتم
بالتقدير. قولوا له: «يا عمنا، نحن دائمًا نتعلم من حكمتكم وتاريخكم المشرف»، هذا
الإشباع يقلل من حاجته للإلحاح في إثبات نفسه.
2-
الاستماع الفعال: أعلم أن التكرار ممل؛ لكن انظروا إليه كنوع من
البر. أشعروه بالاهتمام عبر لغة الجسد (هز الرأس، والابتسام). يقول عطاء بن أبي
رباح: «إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأني لم أسمعه، وقد سمعته قبل أن يولد».
وهذه هي أخلاق النبلاء في التعامل مع كبارهم.
3-
المقاطعة اللطيفة: إذا طال حديثه جدًّا، لا تقطعوه
بكلمة: «سمعنا هذا من قبل»، بل اسألوه سؤالًا في القصة نفسها التي يقصها، يوجه
الحديث لمسار آخر، أو انقلوا الحديث بلباقة لموضوع يخص الحاضر مع ربطه بخبرته،
مثل: «ما شاء الله يا عمي، وبخبرتكم الإدارية هذه، كيف ترون التعامل مع كذا
اليوم؟».
التعامل
مع فرض الرأي ومحاولة الهيمنة
هذه
النقطة هي الأصعب؛ خصوصًا مع الأبناء. فالأب في هذه السن يرى في طاعة أبنائه له
دليلًا على بقاء هيبته. وفي هذا السياق أنصح بالآتي:
1-
قاعدة «نعم، ولكن»: لا تصادموا رأيه مباشرة بقولكم:
«هذا خطأ»، أو: «الزمن تغير»، فهذا يثير كبرياءه. بل استخدموا أسلوب الموافقة
الظاهرية ثم طرح البديل: «رأيك سديد وهو الأصل، ولكن هناك وجهة نظر أخرى ظهرت
مؤخرًا تقول كذا... فما رأيك فيها؟». هنا أنتم جعلتموه حكمًا على الرأي الجديد
بدلًا من أن يكون خصمًا له.
2-
تجنب الجدال العقيم: إذا أصر على رأي غير منطقي في مسألة
لا يترتب عليها ضرر، فالمسايرة أولى. أما في القرارات المصيرية، فيمكن للأبناء
استشارة طرف ثالث يحبه هو ويحترمه (صديق قديم له مثلًا) ليقنعه، فغالبًا ما يقبل
الكبير من أقرانه ما لا يقبله من أولاده.
3-
إشغاله بمهام يشعر فيها بقيمته: كبير السن يهدأ حين يشعر
بأنه منتج. اطلبوا منه -مثلًا- كتابة مذكراته، أو استشيروه في حل مشكلة أسرية (حتى
لو كنتم تعرفون الحل)، ليشعر أن رأيه لا يزال مطلوبًا ومؤثرًا.
توجيه
العائلة والأبناء
يجب
أن تجلسوا مع الشباب والأبناء في العائلة وتشرحوا لهم نفسية كبار السن. أخبروهم أن
هذا الرجل قضى عمره يكافح ليكون له شأن، وما يفعله الآن هو مجرد دفاع عن النفس ضد
النسيان.
حثوهم
على الصبر والاحتساب، وعلموهم أن «جبر الخواطر» عبادة، وجبر خاطر هذا المسن في
مجلسه هو من أعظم القربات.
وختامًا
أخي العزيز، إن وجود هذا الرجل بينكم هو «بركة»، وإن بدت طباعه صعبة. تذكروا قول
الله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا
فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾
[الإسراء: 23]. والقول الكريم هو الذي يراعي مشاعرهم ويحفظ كرامتهم.
اصبروا
عليه، واحتسبوا الأجر، واعلموا أن البر دَيْن، فكما توقرون كبيركم اليوم، سيسخر
الله لكم في كبركم من يوقركم ويتحمل طباعكم.
فاللهم
يا مؤلف القلوب، ألِّف بين قلوب أفراد هذه العائلة، وارزقهم الصبر والحلم، وأنزل
السكينة والوقار على كبيرهم، واجعلهم بارِّين به، واجمع شملهم على الود والرحمة،
واصرف عنهم نزغات الشيطان، واجعل مجالسهم عامرة بذكرك وطاعتك، اللهم آمين.
روابط
ذات صلة:
حين تُصبح الصَّداقة سجنًا للمجاملة
ما الحد الفاصل بين بر الوالدين وتحكمهما في خياراتي الحياتية؟