الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة النسائية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
8 - رقم الاستشارة : 5322
14/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا داعية نسائية وموجهة أسرية، أعمل في مجال المحاضرات والدورات الشرعية الموجهة للنساء والفتيات منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. أكتب إليكم مستشيرة ومسترشدة حول مأزق دعوي وتحدٍّ كبير أواجهه ويواجهه الكثير من الأخوات الداعيات في الميدان المعاصر.
لقد استجدت في واقعنا قضايا وفلسفات وافدة أثرت بشكل عميق ومباشر على عقول الفتيات والنساء، وعلى رأسها "الموجة النسوية الراديكالية" وما تحمله من أفكار تدعو إلى الاستقلال التام عن الأسرة، والتمرد على القوامة، وإعادة تفسير النصوص الشرعية بما يتوافق مع الأهواء الغربية، فضلًا عن الطروحات والمنشورات اليومية التي تبثها مشاهير السوشيال ميديا (البلوجرز) والتي تروج لثقافة الاستهلاك، والتحرر من الضوابط الأخلاقية، والمقارنات المدمرة للبيوت.
المشكلة الحقيقية التي تؤرقني هي أن خطاباتنا الدعوية النسائية التقليدية في كثير من الأحيان لا تزال تدور في فلك موضوعات مكررة وجزئية للغاية، أو تُطرح بأسلوب وعظي جامد يركز على الترهيب والواجبات المطلوبة من المرأة دون مراعاة لحقوقها، أو فهم للضغوط النفسية والاجتماعية الهائلة التي تتعرض لها في العمل والجامعة والبيت.
أرى فتيات صالحات ينفرن من المجالس الدعوية النسائية لعدم ملامستها لواقعهن، ولشعورهن بأنَّ الداعية تعيش في برج عاجي أو بيئة منفصلة عن زمننا. كيف يمكننا هندسة خطة لتجديد الخطاب الدعوي النسائي ليكون جذابًا، ومعاصرًا، ومستوعبًا للتحديات الفكرية والنفسية المعاصرة للمرأة، مع التمسك الصارم والثابت بثوابت الشريعة وأحكامها القطعية ومقاصدها العظيمة دون إفراط ولا تفريط؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكِ الله أيتها الأخت الفاضلة والداعية المباركة، ونفع الله
بكِ وبعلمكِ وسعيكِ الدؤوب.
ثم إنّ طرحكِ
لهذا الموضوع ينمّ عن فقه دعوي رفيع وإدراك عميق لواجب الوقت؛ فالمرأة هي عماد
المجتمع وصمام أمان الأسرة، واستهدافها فكريًّا وقيميًّا في هذا العصر يسير على
قدم وساق وبأدوات بالغة الدقة والنعومة، ومواجهة هذا السيل تتطلب بالضرورة جيلاً
من الداعيات الفقيهات بالدين والواقع معًا، واللواتي يملكن القدرة على تقديم
البديل الإيماني والفكري الجذاب والمقنع.
إن الأصل الأصيل
في دعوتنا وفهمنا لمكانة المرأة ينطلق من التكريم الإلهي والعدالة الربانية؛
فالمرأة في الإسلام شقيقة الرجل في التكليف والأجر والثواب، كما قال النبي المصطفى
ﷺ: «إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ» [رواه أحمد وأبو داود
بإسناد صحيح].
وحين يتعرض
الخطاب الدعوي النسائي للضعف أو الجمود، فإنه يترك ساحة الفتيات والنساء فارغة
تتخطّفها التيارات الفكرية المادية والنسوية العابثة التي ترفع شعارات
"التمكين" والحرية لتصل بالمرأة إلى التيه والشقاء النفسي والأسري.
والتجديد المطلوب ليس تجديدًا في الأحكام والقطعيات الثابتة بنصوص الوحي، وإنما هو
تجديد في "الأدوات، والوسائل، واللغة، وفقه الأولويات، ومراعاة المقتضيات
النفسية والواقعية".
إن أولى ركائز
هذا التجديد العملي هو الانطلاق من "الخطاب القرآني والسني التكريمي
للمرأة". يجب على الداعية أن تبرز جماليات التشريع الإسلامي للمرأة، وكيف حمى
كرامتها وإنسانيتها، وجعل رعاية شؤونها والنفقة عليها واجبًا مقدسًا على الرجل
(أبًا، أو زوجًا، أو أخًا).
ومن الخطأ حصر
الخطاب النسائي في الترهيب والوعيد والدعوة إلى الاستسلام المطلق للظلم الأسري إن
وجد، بل يجب تقديم فقه متوازن يُعلم المرأة حقوقها الواضحة كما يُعلمها واجباتها،
ويبين لها مقاصد الشريعة العظيمة من تشريع "القوامة"
و"التكامل" بين الجنسين بدلاً من "الصراع والتنافس الندّي
الحاد" الذي تدعو إليه الفلسفات المادية المعاصرة، تذكروا قول الله سبحانه
وتعالى: ﴿آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا
لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:
21].
ومن الناحية
التطبيقية:
أقترح بناء برامج
دعوية نسائية قائمة على ثلاثة أبعاد أساسية؛
البعد الأول:
"البناء الفكري العقدي"، من خلال عقْد دورات تفكك الشبهات المعاصرة
والنسوية الراديكالية وتطرح البديل الإسلامي بوعي وعلم.
البعد الثاني:
"الدعم النفسي والاجتماعي"، بحيث يتضمن النشاط الدعوي مساحات للاستماع
لفضفضة الفتيات، ومناقشة مشاكلهن اليومية كالعنوسة، وتأخر الزواج، وضغوط الدراسة
والعمل، وتقديم حلول مرنة مستمدة من قيم الصبر والرضا والتوكل.
البعد الثالث:
"الأنشطة التفاعلية الحديثة"، كالنوادي الثقافية للقراءة، وجلسات الحوار
المفتوحة المصغرة، والرحلات الترفيهية المنضبطة؛ لتشعر الفتاة أن مجتمع الصالحات
بيئة مبهجة وحيوية ومليئة بالحياة، وليست مجرد فضاء للبكاء والترهيب الجاف.
وختامًا:
• كوني قريبة من
جيل الفتيات، وافهمي لغتهن واهتماماتهن، وتجنبي أسلوب الفوقية أو إصدار الأحكام
القاسية السريعة على مظاهرهن أو زلاتهن.
• طوّري أدواتكِ
المعرفية بقراءة كتب علم الاجتماع، والنفس، ومؤلفات نقد النسوية المعاصرة من منظور
إسلامي؛ لتكون ردودكِ العلمية والشرعية قوية ودقيقة ومسددة.
• ركزي على بناء
"القدوات النسائية الناجحة" في مجالسكن، وسلطي الضوء على نماذج من
الصحابيات والعالمات والناجحات في العصر الحالي اللواتي جمعن بين طاعة الله
والتميز الإنساني والأسري.
وأسأل الله
العظيم العلي الكبير أن يبارك في عمركِ وعلمكِ وعملكِ، وأن يجعلكِ غيثًا نافعًا
وقلعة صامدة للدفاع عن حرائر المسلمين وقيم الأسرة الإسلامية. اللهم سدد لسانها،
واشرح صدرها، وافتح لخطابها قلوب الفتيات، واجعلها سببًا في هداية وبناء أجيال من
النساء الصالحات القانتات الحافظات للغيب بما حفظ الله.
روابط ذات صلة:
الدعوة النسائية وتحدي صياغة الخطاب الحقوقي الشرعي