كيف نستفيد بحيلة الرنجة الحمراء في الجدال؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : فكر معاصر
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 12
  • رقم الاستشارة : 5509
04/08/2026

ما المقصود بحيلة الرنجة الحمراء كأسلوب في النقاش كيف يمكن توظيف هذه الحيلة في الجدال؟

الإجابة 04/08/2026

أخي الكريم، فن الجدال والمناظرة أصبح منفتحًا على كثير من العلوم والخبرات، من بينها علم النفس، وهنا تطور هذا الفن نحو الإلمام بالقدرة على التأثير في الخصم وتغيير قناعاته، وإلزامه الحجة، ودحض حججه واستدلالاته.

 

ومن بين الأساليب الجديدة "الرنجـة الحمراء" Red Herring وهي حيلة لتشتيت الخصم تُستخدم لتحويل الانتباه عن الموضوع الأساسي عبر طرح تفاصيل أو قصص أخرى غير مرتبطة بالقضية الأساسية.

 

من أين جاء المصطلح؟

 

في البداية ربما توضح القصة التي استمد منها مصطلح "الرنجة الحمراء"، الهدف من تلك الحيلة في النقاش، فقد جاء المصطلح من ممارسات اللصوص قديمًا، حيث كانوا يسحبون رنجة حمراء مدخنة ذات رائحة نفاذة للغاية أثناء هروبهم، ليضللوا كلاب الحراسة عن تتبعهم، أي أن الكلاب كانت تتبع رائحة الرنجة الطاغية، وتهمل رائحة اللصوص، وبذلك كانت تلك الحيلة تؤمن هروبهم.

 

يُنسب المصطلح إلى الصحفي ويليام كوبيت (المتوفى:1835م) حيث استخدمه في قصة نُشرت عام 1807م، انتقد فيها "كوبيت" الصحافة لنشرها خبر هزيمة نابليون قبل الأوان، وشبّه ذلك باستخدام أسماك الرنجة الحمراء المدخنة ذات الرائحة النفاذة لتشتيت انتباه الكلاب عن رائحة أخرى، كان كوبيت يتهم الصحافة بتعمد استخدام مغالطة لتشتيت انتباه الجمهور.

 

هذه الحيلة انتقلت من عالم اللصوصية والصيد إلى مجال المنطق والجدال لتعبر عن المغالطات الجدالية أثناء الحوار، والتي يتم فيها تضليل الخصم وتشتيت جهده في المناظرة وإبعاده عن القضية الأساسية نحو قضايا هامشية وفرعية لا تتعلق بموضوع الجدال، فهي أشبه بحيلة للتعمية والتضليل، وتبدو انتصارًا في الجدال والنقاش، لكن حقيقتها ليست كذلك، لأنه انتصار وهمي.

 

تختلف "الرنجة الحمراء" عن مغالطة "تجاهل المطلوب" أو الاستدلال غير المنطقي؛ ففي حيلة "الرنجة" لا توجد حجة حقيقية، ولكن يوجد انحراف عن موضوع النقاش، وتفريغ النقاش من قدرته الاستدلالية وحججه وتضليلها، أما في مغالطة "تجاهل المطلوب" فهناك حجة متماسكة تثبت نتيجة معينة، لكن هذه النتيجة تختلف عن النتيجة المطلوبة في أصل النقاش، أي أن النقاش انتهى إلى محطة وصول غير مطلوبة، أما "الرنجة" فهي مراوغة لتضييع الوقت والجهد دون الوصول إلى شيء.

 

خدعة "الرنجة الحمراء" يستخدمها بعض الأدباء في قصصهم لمفاجأة القراء وتشويقهم، فقد توجد بعض الشخصيات في القصة ليس لها دور إلا تشتيت الانتباه والمراوغة، وهذا الاستخدام يشيع في أدب الجريمة والغموض، وتستخدم تلك المغالطة كذلك في المجال السياسي وبخاصة إبان فترات الانتخابات، وكذلك في المجال التسويقي.

 

وختامًا أخي الكريم، يجب أن تدرك أن الخلل في خدعة "الرنجة الحمراء" يكمن في محتوى الحجة وليس في هيكل الحجة نفسها، وهذا يفرض عليك الانتباه جيدًا ألا تُمارس ضدك هذه الخدعة، ولتجنبها، ننصح بألا تنصرف عن مسار النقاش المركزي إلى تلك المسارات الهروبية، وأن تُلزم خصمك بالسير في مسار النقاش الأساسي، وألا تنساق وراء الطُعم الذي يغريك به ليصرفك عن القضة الأساسية، وهذا يفرض عليك أن تنبه بصوت عال خصمك للعودة للمسار الرئيسي في الجدال.

 

موضوعات ذات صلة:

مغالطة التخطيط.. كيف يؤثر الانحياز للتفاؤل على توقعاتنا؟

عقلية اللحظة الأخيرة.. كيف أتخلص منها؟

ما أهمية الأخلاق في الجدال؟

مساهمات الحضارة الإسلامية في فن الجدل والمناظرة

الرابط المختصر :