كيف نضبط أعصابنا وسلوكياتنا تجاه فوضوية بعض الحجاج؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الأخلاق والمعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 12
  • رقم الاستشارة : 4826
16/05/2026

أنا مسلم عربي أعمل في أوروبا منذ سنوات، ومعي زوجتي وأولادي. وقد تعودنا في حياتنا على النظام والهدوء. وقد نوينا الحج هذا العام بإذن الله، لكن يقلقنا شيء واحد، وهو أننا نسمع كثيرًا عن تدافع الحجاج في المناسك وتزاحمهم، ومخالفات بعضهم وسلوكياتهم الفوضوية التي تؤدي إلى حوادث مميتة. ونخشى أن نفقد أعصابنا لو حدث ذلك، أو نفقد خشوعنا وروحانياتنا في هذه الفريضة المباركة التي ننتظرها بفارغ الصبر أنا وأسرتي.

سنلتزم إن شاء الله أنا وأسرتي بتعليمات المنظمين، وسنحاول تجنب مناطق وأوقات التدافع، ونبتعد عن المخالفين، لكن عمليا قد لا نستطيع ذلك كل الوقت، فكيف نهيئ أنفسنا قبل الوصول إلى الأراضي المقدسة على تقبل أذى الناس في الحج إن صادفناه، وبأي نية؟ وماذا أقول لزوجتي وأبنائي المراهقين حتى أحافظ على سلامتهم البدنية والنفسية أثناء المناسك؟

وكيف نستطيع التركيز على روحانية المناسك وأدائها على وجهها الأكمل رغم ما قد يحدث حولنا من سلوكيات سيئة؟

الإجابة 16/05/2026

مرحبًا بك أخي الكريم وبأهلك الكرام، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وعلى وعيك الكبير، واهتمامك بإتمام هذه الشعيرة العظيمة مع أسرتك على أكمل وجه، وأسأل الله أن يبارك فيك وفي زوجتك وأبنائك، وأن يبلغكم بيته الحرام آمنين مطمئنين، وأن يتقبل منكم الحج، ويكتب لكم أجره كاملًا غير منقوص، وأن يجعل رحلتكم هذه محفوفة برحمته ورعايته، وأن يرزقكم السكينة والوقار في كل منسك، وبعد...

 

التغلب على الصدمة الحضارية

 

فإن الانتقال من بيئة غربية اتسمت بالهدوء التام والنظام الصارم، إلى بيئة الحج التي تجمع ملايين البشر من مختلف الثقافات والأعمار والمستويات التعليمية، يمثل صدمة حضارية وسلوكية مؤقتة لمن لم يوطِّن نفسه عليها.

 

لكن يجب أن نذكر هنا -من باب الإنصاف والواقعية- أن السلطات المنظمة للمناسك تجتهد كل الاجتهاد في التنظيم، وتسخير كافة الظروف، وتوظيف أعلى الإمكانات والتقنيات لتيسير المناسك وتفويج الحشود، حرصًا منها على سلامة كل حاج وأمنه. ولكن، نظرًا للتنوع الهائل واختلاف الثقافات والبيئات التي يأتي منها الحجاج من شتى بقاع الأرض، فإن بعض الأفراد قد لا يلتزمون بتلك التعليمات الصارمة؛ فيقعون في أخطاء ومخالفات ناجمة عن جهل بالأنظمة، أو عدم فهم للتعليمات، أو تسرع عاطفي لإنهاء المنسك، أو نقص في الفقه السلوكي والأخلاقي للعبادة، مما يترتب عليه بغير قصد إيذاء لأنفسهم ولغيرهم من الحجاج.

 

ولذلك، يجب أن ندرك بدايةً أن الحج ليس مجرد عبادة بدنية أو مالية فقط؛ بل هو دورة مكثفة في الصبر والجهاد النفسي، وأن الله -سبحانه وتعالى- عندما شرع الحج، علِمَ أنه مظنة للازدحام والاحتكاك، ولذلك وضع الدستور الأخلاقي للحج مبكرًا جدًّا في كتابه الكريم، وعلى لسان نبيه.

 

التهيؤ النفسي والإيماني قبل الوصول

 

إن الاستعداد للحج يبدأ من القلب والذهن قبل تجهيز الحقائب والأمتعة. وحتى يتقبل الحاج أذى الناس وسلوكياتهم العفوية أو الفوضوية بصدر رحب، عليه أن يستحضر بعض المعاني الإيمانية، منها:

 

1- عقد النية وتوطين النفس على العفو

 

على الحاج أن يعقد نية خاصة قبل السفر، وهي: «نية الصبر على عباد الله، واحتساب الأذى جِهادًا نفسيًّا». فعندما يوطن الإنسان نفسه على أنه سيواجه مشقة، فلن يُصدَم بها إذا وقعت. إن القصد من الحج هو تهذيب النفس، وقد قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197].

 

والجدال غالبًا ما ينشأ من ضيق الصدر بسلوكيات الآخرين؛ فإذا نوى الحاج مسبقًا التنازل عن حقه الشخصي طلبًا لسلامة حجه، هان عليه كل عسير.

 

2- استحضار أجر مخالطة الناس

 

ليتذكر السائل الكريم حديث النبي: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» [رواه الترمذي]. فالحج هو الميدان الأكبر لتطبيق هذا الحديث. فتحمُّل جهل الجاهل، وتدافع المتعجل، وزحام الطائفين، هو باب عظيم لرفع الدرجات ومحو السيئات.

 

وتأمل في هدي النبي في حجة الوداع؛ عندما أفاض من عرفات وسمع وراءه زجرًا شديدًا وضربًا للإبل، أشار بسوطه إليهم، وقال: «أيها الناس، السكينة السكينة، فإن البر ليس بالإيضاع»، والإيضاع هو الإسراع والتدافع [رواه البخاري]. فالسكينة هي الشعار الأخلاقي الذي يجب أن يصطحبه الحاج معه دائمًا.

 

فقه التعامل مع الزوجة والأبناء

 

الأبناء المراهقون الذين نشؤوا في أوروبا لديهم معايير عالية جدًّا فيما يخص المساحة الشخصية والنظام، ورؤية العشوائية قد تسبب لهم إحباطًا أو ردود فعل غاضبة. لذا، يحتاج الأب إلى خطة تربوية ونفسية عملية، من ملامحها:

 

1- المصارحة الاستباقية

 

عليك أن تعقد جلسة مع أسرتك قبل السفر، وتخاطبهم بلغة تناسب عقولهم، بحيث لا تصوِّر الحج لهم كرحلة سياحية ترفيهية، بل أخبرهم: «نحن ذاهبون في رحلة جهادية تربوية. سنتعرض لزحام، وسنرى أناسًا من بيئات بسيطة جدًّا لم يتعلموا النظام الذي عشنا فيه، ودورنا هو أن نرحمهم ونبدي رقي الإسلام في أخلاقنا».

 

مع تذكيرهم بأن هؤلاء الحجاج جميعهم، وإن كان بعضهم فوضويًّا غير ملتزم بالنظام، هم إخواننا في الدين، قد يكون أحدهم قد جمع مال عمره كله ليأتي هنا، وهو مدفوع بعاطفة جياشة وشوق جارف يجعله ينسى النظام. وواجبنا نحوهم النصح والإرشاد والتحمُّل.

 

2- التوجيهات العملية للسلامة البدنية

 

في أوقات التحرك، يجب أن يتفق الأب مع أسرته على آلية تضبط تحركهم وتضمن عدم تفرقهم عن بعضهم البعض. مثلًا: الأبناء في المنتصف، والأب والأم يحيطان بهم، أو إمساك بعضهم بثياب بعض، مع ملاحظة أن الهواتف قد تنقطع شبكاتها بسبب الضغط عليها والزحام، والاتفاق مسبقًا على مكان محدد ومعلم واضح للقاء عنده (كبوابة معينة في الحرم) يقلل من التوتر النفسي بشكل هائل إذا قدر الله وانفصل أحد الأفراد.

 

3- التأكيد على الآداب: أخبر أبناءك: «إذا دفعكم أحد، فلا تردوا الدفع بالدفع، بل استسلموا للحركة بلين واستغفروا». وذكِّرهم بقول الله تعالى: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: 43].

 

كيف نحافظ على الخشوع وسط الجموع؟

 

الخشوع ليس انعزالًا عن الواقع؛ بل هو استغراق القلب مع الله رغم صخب الواقع. ولتحقيق ذلك وسط الزحام، يُنصح بالآتي:

 

1- قاعدة الانشغال والتقبُّل

 

هناك قاعدة نفسية تقول: «انشغل بما تستطيع التحكم فيه، وتقبَّل ما لا تستطيع التحكم فيه». فالحاج لا يستطيع التحكم في سلوك آلاف البشر حوله، لكنه يملك التحكم في لسانه وعينه وقلبه. فإذا رأيت مشهدًا فوضويًّا، فتجاهله إن كان الوضع آمنًا، ولا تملك حياله تصرفًا، وانشغل بالتلبية أو الاستغفار.

 

2- استحضار مشهد الحشر

 

أفضل طريقة للحفاظ على الروحانية عند رؤية أمواج البشر وتدافعهم، هي استحضار يوم القيامة، وحشر الناس إلى ربهم للحساب. فعندما ترى ملايين البشر بمظهر واحد، يتدافعون في الحر، ويموج بعضهم في بعض، يكسوهم العَرَق، تذكر فورًا يوم الحشر الأكبر. هذا الربط العقلي سيحول الضيق من الزحام إلى بكاء وخضوع لله عز وجل، مستحضرًا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (عبس: 34- 37).

 

3- الاستعانة بسلاح الذِّكر

 

عند اشتداد الزحام والتدافع، تضيق الأنفاس وتتوتر الأعصاب؛ وهنا يأتي دور الذِّكر الهادئ، بالتهليل، والتسبيح، والاستغفار، والتلبية. فالذكر يضبط ضربات القلب، ويهدئ الجهاز العصبي، ويجعل الإنسان في حصن حصين من الغضب. قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ (الرعد: 28). وتذكر دائمًا البشارة النبوية العظمى: «من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» [متفق عليه]. فالجائزة تستحق كل هذا التسامح والصبر.

 

وختامًا يا أخي، إن الحج فيه المشقة وفيه المتعة الروحية، والنجاح فيه ليس في عدم رؤية الأخطاء، بل في كيفية التعامل معها بقلب سليم وأخلاق نبوية رفيعة. وما دمت أنت وأسرتك حريصين على الالتزام بالأنظمة وتجنب أوقات الذروة، فأنتم على ثغر عظيم من ثغور الوعي والمسؤولية، وما قد يقع بعد ذلك من مشكلات عارضة فاستقبلوها بابتسامة الراضين وصبر المحتسبين.

 

أسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن ييسر لكم مناسككم، وأن يحفظكم بحفظه العظيم الذي حفظ به عباده الصالحين. اللهم احرس هذا الأب الفاضل وزوجته وأبناءه بعينك التي لا تنام، واكنفهم بركنك الذي لا يرام. اللهم اجعل حجهم حجًّا مبرورًا، وسعيهم سعيًا مشكورًا، وذنبهم ذنبًا مغفورًا. اللهم أرِهم في هذه الرحلة من عظيم لطفك، وجميل سترك، وبركتك ما تقر به أعينهم، وأعدهم إلى بيتهم سالمين غانمين، قد غُفرت ذنوبهم، وطهرت قلوبهم، ورفعت درجاتهم.

 

وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 

روابط ذات صلة:

فريضة الحج وبناء الإيمان

9 أسباب لمنع الجدال في الحج

10 آداب للتعامل بين الحجاج أثناء أداء المناسك

الرابط المختصر :
hacklink satın al holiganbet ikimisli padişahbet bets10 extrabet royalbet süperbetin jojobet giriş jojobet jojobet giriş padişahbet goldenbahis piabellacasino betpas bahiscasino atlasbet betpas matbet betsilin ngsbahis youcas betpas giriş jojobet casibom casibom giriş jojobet casibom romabet giriş romabet