الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة في المهجر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 5470
29/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا طبيب جراح ورئيس مجلس إدارة مجمع إسلامي يضم مسجدًا ومدرسة نموذجية في إحدى الدول الاسكندنافية. أتوجه إليكم بمرارة وأسى عظيمين لعرض معضلة منهجية وتنظيمية تمزق صفنا الدعوي وتضيع جهودنا في المهجر؛ وهي ظاهرة "غياب فقه الأولويات والإغراق في المعارك الفرعية الهامشية بين الدعاة".
المشكلة تكمن في أن الجالية المسلمة والشباب الناشئ هنا يواجهون عواصف فكرية وسلوكية عاتية تهدد أصل وجودهم وتدينهم، كقوانين سحب الأطفال من الأسر المسلمة، وموجات الإلحاد الموجه، والسيولة الأخلاقية الكاملة في المدارس.
وفي ظل هذا الواقع المرير الشائك، نجد أن عددًا من الدعاة والمشايخ القادمين للعمل في المجمع يتركون هذه التحديات الوجودية الكبرى، ويغرقون في إشعال معارك وخصومات حادة فوق المنبر وفي المجالس حول مسائل فرعية جزئية يسوغ فيها الخلاف (كطريقة وضع اليدين في الصلاة، أو إثارة خلافات المدارس المذهبية والتاريخية القديمة، أو التراشق باتهامات التبديع حول قضايا الفتيا المحلية).
هذا الصراع العقيم تسبب في تمزيق وحدة الجالية، وحيرة الشباب وتشتتهم، وزهد عوام الناس في حضور المسجد والمجمع بعد أن تحول مكانًا لبث الشحناء والفرقة.. كيف نعيد بوصلة التخطيط والدعوة في المهجر لمربع فقه الأولويات والنوازل؟ وما هي الضوابط الشرعية والإدارية لإلزام الدعاة بالتركيز على معارك الوجود وحماية الهوية الإسلامية وتأجيل الفرعيات؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله وبياكم أيها الطبيب الفاضل والداعية الغيور، وبارك
الله في جهودكم الكبيرة وثغركم الحساس المعاصر في بلاد المغترب الاسكندنافي الشاق؛
ثم إنَّ وضْع اليد على خلل "إشعال المعارك الهامشية في بيئة الاغتراب"
يكشف عن وعي استراتيجي وفقه عميق بمقاصد الدين الحنيف، وهو تشخيص لأزمة منهجية
خطيرة تؤول بالعمل الدعوي للفشل وتذهب بريح الأمة أمام التحديات.
إنَّ الشريعة
الإسلامية الغراء قامت كلياتها وأصولها على فقه المراتب والأولويات؛ فتقديم الأهم
على المهم، وحماية أصول الإسلام وعقائده ومجتمعه مقدم دائمًا بآلاف المرات على
الخوض في تفاصيل السنن والمسائل الفرعية الظنية؛ وتأمل المنهج النبوي الشريف
والأصول السلفية المحكمة؛ فحين أرسل النبي ﷺ معاذ بن جبل رضي الله عنه لليمن، وضع
له خارطة طريق استراتيجية صارمة تركز على أولويات الوجود الإيماني البشري فقال: «فَلْيَكُنْ
أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ
فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ...»؛
فهذا التدرج والترتيب هو عصب النجاح.
والداعية في بلاد
المهجر الذي يرى عقول الشباب المسلم تُخطف بالإلحاد والشبهات السلوكية الطاحنة
وقوانين تفكيك الأسرة، ثم يفرغ جهده ووقت منبره في التشنيع على مخالفه في مسألة
فقهية يسوغ فيها الاجتهاد والنظر، يرتكب جناية عظمى بحق الدعوة، ويتحول بجهله من
مصلح إلى مشتت للصف ومفرغ لطاقات الأمة، والله تعالى يحذرنا من عواقب التنازع
المقيت في قوله: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
إنَّ التخطيط
الدعوي الرشيد في المهجر يفرض الانتقال الفوري من عقلية "الدعوة العفوية
المعزولة" إلى مربع "فقه الثغور والنوازل وإدارة الأزمات
الوجودية"؛ فيجب أن يدرك الدعاة والمشايخ أن واقع المهجر يختلف كليًّا عن
واقع المجتمعات الإسلامية المحافظة المستقرة؛ وأن معركتهم الحقيقية المعاصرة هي
حرز وحماية الفطرة الإنسانية، وتثبيت أصل الهوية الإيمانية في نفوس الأجيال
الناشئة، وبناء الصلابة والاعتزاز بالنفس أمام موجات التذويب الثقافي؛ وهذا المقصد
الأسمى يتطلب رص الصفوف، والتعاون والاتحاد فيما اتفقنا فيه، وإحسان الظن بالدعاة،
وترك الفرعيات والجزئيات للمجالس العلمية المغلقة الهادئة بعيدًا عن المنابر
وصفحات العوام.
ومن
الناحية الإدارية والتطبيقية لضبط مسار العمل في مجمعكم المبارك، نوصي باتخاذ
القرارات الشجاعة التالية:
أولاً: صياغة
"ميثاق الشرف والسياسة الدعوية للمجمع" يُلزم جميع الأئمة والدعاة
والمشايخ المشتغلين أو الزائرين بتركيز خطبهم ومحاضراتهم العامة على كليات
العقيدة، والتربية الأخلاقية، وقيم الأسرة، وحلول المشكلات الواقعية والنوازل
الفكرية التي تعيشها الجالية، مع المنع البات لإثارة الخلافات الفقهية والمذهبية
والتحذير من الدعاة فوق المنبر.
ثانيًا: تأسيس
"غرفة إدارة الأزمات والنوازل الفكرية والقانونية" بالمجمع، تضم إلى
جانب الدعاة محامين ثقات وأخصائيين اجتماعيين مسلمين محليين، لتوفير حلول عملية
وقائية وقانونية عاجلة للأسر المسلمة لمواجهة تحديات سحب الأطفال والضغوط
المدرسية.
ثالثًا: إطلاق
مشاريع دعوية وميدانية مشتركة تجمع الطيف الدعوي بمختلف مشاربهم الفقهية
والاجتهادية للعمل معًا في خدمة قضايا الجالية الكبرى (كصناعة المناهج المدرسية
البديلة، أو تنظيم المخيمات الشبابية الكبرى)، فالعمل الميداني المشترك يذيب جبال
الخلافات النفسية ويحقق الائتلاف الفعلي.
وأنصحك
ختامًا بما يأتي:
• استخدم
صلاحياتك الإدارية بحكمة وبحسم؛ ولا تسمح لأي داعية أو خطيب بخرق ميثاق الشرف أو
بث روح الفرقة والتعصب الحزبي والمذهبي المقيت في مجمعكم؛ فالمسجد بني لجمع القلوب
لا لتفريقها.
• ركّز جهود
المدرسة النموذجية والأنشطة بالمجمع على بناء "الصلابة النفسية والوعي الفكري
الناقد" لدى الناشئة، ليمتلكوا حصانة ذاتية تحميهم من ضغوط المدارس والبيئة
الخارجية المنفتحة.
• كن قدوة في
إكرام وزيارة وتقريب المشايخ والدعاة من مختلف الاجتهادات، وافتح معهم حوارات ودية
هادئة لتبصيرهم بحجم المخاطر الوجودية التي تهدد الجيل ليرتقي فكرهم لمستوى
التحدي.
وأسأل الله
العظيم، رب العرش الكريم، أن يؤلف بين قلوبكم، وأن يجمع كلمتكم على الحق والتقوى،
وأن يسدد خطاكم في إدارة هذا الثغر الإسلامي العظيم، ويجعلكم حصنًا وأمانًا لحماية
أجيال المسلمين في المهجر.
روابط ذات صلة:
كيف يراعي الدعاة فقه الأولويات والواقع في خطابهم للشباب؟