الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
53 - رقم الاستشارة : 5366
19/07/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا داعية وخطيب جامع، لاحظت في الآونة الأخيرة نشوء ظاهرة مؤلمة ومشتتة لجهود العمل الإسلامي في مدينتنا، وهي اتساع فجوة الخلاف والتنازع بين الدعاة والعاملين في الحقل التربوي والدعوي بسبب مسائل فقهية فرعية أو مواقف اجتهادية في قضايا النوازل.
المشكلة أن الخلاف لم يعد محصورًا في دائرة المدارسة العلمية الهادئة، بل تحول إلى تعصب حاد، وتراشق بالاتهامات، وتبديع وتفسيق، وتهاجر في المجالس، بل ووصل الأمر إلى تحذير بعضهم من حضور دروس ومحاضرات البعض الآخر والتشنيع عليهم في مواقع التواصل الاجتماعي أمام العوام من الناس. هذا الواقع المرير تسبب في حيرة وتشتت للمستفتين والشباب الناشئ، وضعف هيبة الدعاة في المجتمع.
كيف نعالج هذا الاختلال المنهجي في التعامل مع المسائل الخلافية والاجتهادية؟ وما هي الضوابط الشرعية الميدانية والعملية التي يجب غرسها في نفوس العاملين لاستعادة وحدة الصف والائتلاف الدعوي مع بقاء التنوع العلمي؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله أيها الشيخ الفاضل والداعية الغيور، وبارك الله في
حرصكم وسعيكم لإصلاح ذات البين ورأب الصدع في الصف الدعوي؛ فإن هذا الهمّ الذي
تحمله هو من أوجب واجبات الوقت وعلامة على فقه عميق بمقاصد الشريعة؛ فالخلاف
والشحناء بين حملة الدعوة هو ثغرة عظيمة يتسلل منها الفشل وتذهب بها الريح، وتتحول
الدعوة معها من وسيلة لهداية الناس إلى بيئة للصراع والنزاع العقيم.
إنَّ وقوع الخلاف
في المسائل الفقهية والاجتهادية الظنية هو أمر طبيعي وتاريخي تقتضيه طبيعة النصوص
الشرعية، واختلاف عقول البشر وأفهامهم، وهو في حقيقته مظهر سعة ورحمة وتنوع وتخصص،
وليس مظهر تفرق وتمزق إذا ما سار وفق آدابه وضوابطه الشرعية المحكمة.
وتأمل أخي الكريم
موقف النبي ﷺ في حادثة صلاة العصر في بني قريظة، حين قال لأصحابه: «لاَ
يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، فأدرك بعضهم
الصلاة في الطريق فقالوا: لا نصلي حتى نأتيها، وقال آخرون: بل نصلي لم يرد منا ذلك
وإنما أراد الاستعجال، فصلى فريق في الطريق وأخّر فريق الصلاة حتى وصلوا، فبلغ ذلك
النبي ﷺ فلم يعنف واحدًا منهم [رواه البخاري]؛ فقد قبل ﷺ هذا التنوع في الفهم ولم
يجعل منه سببًا للهجر والقطيعة. وإن الله تعالى يأمرنا بالوحدة والائتلاف في أصول
الدين ومحكماته، وينهانا عن التفرق المقيت: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
إنَّ المشكلة
الحقيقية لا تكمن في "وجود الخلاف الفقهي"، وإنما تكمن في "التعصب
للآراء والجهل بأدب الخلاف الفقهي"؛ حيث يسعى كل طرف لإلزام الآخرين باجتهاده
الفردي في مسائل يسوغ فيها النظر والبحث، ويجعل من موقفه معياراً للولاء والبراء
والقبول والرد، وهذا مسلك ينافي هدي السلف الصالح؛ فقد كان الإمام أحمد والشافعي
وغيرهم يختلفون في مسائل كبرى دون أن يفسد ذلك ودادهم أو يدفعهم للتناحر والتهاجر.
وإنَّ الواجب
المنهجي والدعوي يفرض على الدعاة الانتقال من عقلية "الإنكار على عمل
المجتهد" إلى عقلية "إحسان الظن بالعلماء والدعاة والتعاون فيما اتفقنا
فيه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه" طالما أن الخلاف معتبر وله حظ من
النظر والأدلة الشرعية المعتبرة.
ومن الناحية
التطبيقية والعملية لعلاج هذه الأزمة في مدينتكم، أقترح تفعيل الخطوات التالية؛
أولاً: عقد
"مجلس علمي دوري مغلق يجمع دعاة وعلماء المدينة" يخصص لتدارس "فقه
الخلاف وأدبه" من خلال كتب التأصيل المعتمدة (ككتاب رفع الملام عن الأئمة
الأعلام لابن تيمية وغيره)؛ لتجديد العهد بقواعد الإنصاف والعدل والورع.
ثانيًا: الاتفاق
المكتوب على "ميثاق شرف دعوي" يلتزم فيه الجميع بعدم نقل المسائل
الخلافية الدقيقة والنوازل الفكرية الشائكة إلى منابر العوام وصفحات السوشيال
ميديا، وحصر نقاشها في الغرف العلمية المغلقة منعاً لبلبلة الناس وتشويه صورة
الدين.
ثالثًا: التنسيق
المشترك لإقامة برامج ومشاريع دعوية وميدانية مشتركة يشارك فيها دعاة من مدارس
واجتهادات فقهية متنوعة؛ فالعمل الميداني المشترك يذيب الخلافات النفسية، ويعزز
روح الأخوة الإيمانية، ويظهر للمجتمع وعي وتماسك أفراد الصف الدعوي الإسلامي.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• كن سبّاقًا في زيارة وإكرام الدعاة
والعلماء الذين تختلف معهم في بعض المسائل الفرعية، واجعل المودة والصلة الإنسانية
سياجًا يمنع تغلغل شياطين الإنس والجن بينكم.
• ركز في خطبك
ومواعظك العامة على غرس "ثقافة التسامح العلمي والإنصاف وإحسان الظن"
ونبذ التعصب الحزبي والمذهبي المقيت في نفوس الشباب وطلبة العلم.
• احذر من تتبع
زلات الدعاة أو تضخيم مواقع الخلاف ونشرها، وإذا رأيت خطأً من أخيك الداعية
فاستخدم أسلوب النصيحة الفردية السرية المبنية على المحبة والرحمة.
وأسأل الله
العظيم، رب العرش العظيم، أن يجمع قلوبكم على التقوى، وأن يؤلف بين أرواحكم، ويذهب
سخيمة صدوركم، وأن يرزقكم البصيرة والإنصاف، ويجعلكم يدًا واحدة على من سواكم،
هداة مهتدين، مفاتيح للخير ومغاليق للشر في مجتمعكم.
روابط ذات صلة:
كيف يتعامل الداعية مع الخلافات الحادة بين العاملين في المجال الدعوي؟