كيف ننجو من فخاخ «الغيبة» في مجالس الأقارب والأصدقاء؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : الأخلاق والمعاملات
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 9
  • رقم الاستشارة : 5828
13/09/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

أنا شاب بشتغل بشركة، وبحضر كل أسبوع قعدات الأقارب والأصحاب. للأسف، معظم هي القعدات صار يغلب عليها القيل والقال والخوض بسيرة العالم وتتبّع أخبارهم.

المشكلة إني كتير أوقات بتنسحب رجلي للحكي بشكل مباشر، وبيعطوني السؤال دغري: "شو رأيك أنت بالقصة؟" أو "مش شايف إنه تحليلنا بمحله؟".

وهون بلاقي حالي محشور بين خيارين أصعب من بعض: إما الصمت التام أو الانسحاب: فالحاضرين فورًا بيفسروها على إنها "سذاجة"، أو "ضعف شخصية"، أو إني مو فهمان شو عم يصير حولي، ويمكن يتهموني إني عايش بكوكب تاني وبدعي المثالية. وإما المجاملة والمشاركة: ولحتى ما بيّن غشيم وأثبت إني واعي ومفتح على الواقع، بلاقي حالي أحيانًا عم احكي كلمات فيها سوء ظن أو غيبة مغلّفة بـ "التحليل والنقد"، وبعدين برجع على بيتي كلي ندم وشعور بالذنب على الشي يلي طلع من لساني.

فكيف فيني وازن بين إني أحفظ لساني واترفع عن الغيبة وسوء الظن حمايةً لديني، وبين إني أظهر ذكائي ووعيي الاجتماعي من دون ما بيّن ساذج أو مغفل بنظر اللي حولي؟

وشو هي الأساليب أو الردود الذكية يلي ممكن استخدمها لحتى سَكّر هالباب بحكمة من دون ما إحرج حالي أو إحرج غيري؟

وجزاكم الله خيرًا ونفع بعلمكم.

الإجابة 13/09/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ولدي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يثبتك على الحق، وأن يشرح صدرك، ويزيدك حكمة ووعيًا، وأن يحفظ لسانك وقلبك من كل سوء، وأن يجعل لك من كل ضيق فرجًا ومن كل هم مخرجًا، وبعد...

 

فإن الإحساس بالندم والحرقة التي تستشعرها عقب كل مجلس تنزلق فيه إلى ما يغضب الله -عز وجل- هو دليل على قوة إيمانك وحياة قلبك؛ فالقلب الحي هو الذي يتألم للذنب ولو كان كلمة عابرة، بينما القلب الغافل لا يستشعر ذلك.

 

والمشكلة التي طرحتها هي معركة حقيقية يعيشها كثير من الشباب في عصرنا، حيث اختلطت المفاهيم في بعض المجالس، فأصبح الخوض في أعراض الناس وتحليل تصرفاتهم يُسمى عند البعض وعيًا اجتماعيًّا أو فطنة بالواقع، بينما يُصنَّف الصمت والورع على أنه سذاجة أو ضعف شخصية.

 

تصحيح مفهومنا عن «الذكاء الاجتماعي»

 

إن الذكاء الاجتماعي لا يعني معرفة أسرار الناس وتحليل سقطاتهم؛ بل هو القدرة على إدارة الذات وإدارة العلاقات بوقار وحكمة. أما تتبع أخبار الناس فهو فضول ونقص في الأخلاق، وقد قال النبي: «مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ» [رواه الترمذي].

 

فعندما يصفون صمتك بالسذاجة، فهم يفعلون ذلك لا شعوريًّا لتمرير ذنبهم وشرعنته؛ لأن وجود شخص في مجلسهم يتورع عن هذه السقطات يذكِّرهم بنقائصهم وبخطئهم، فيحاولون سحبك إلى دائرتهم السيئة لتكون شريكًا معهم يخفف عنهم الشعور بالذنب.

 

خطر الغيبة المغلَّفة

 

إن الغيبة التي تأتي في قالب التحليل والنقد هي أشد أنواع الغيبة مكرًا؛ لأن النفس تستمرئها ولا تشعر بالإثم فورًا. وقد حذَّرنا الله -تعالى- بتشبيه يبشِّع هذا الفعل، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: 12].

 

سمات الشخصية القوية

 

الشخصية القوية ليست هي التي تساير الجموع لتعجبهم، بل هي التي تملك زمام لسانها ومبادئها وسط ضغط الجلساء. وقد قال رسول الله: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» [متفق عليه].

 

وتأمل معي كيف كان الصحابة والسلف -رضوان الله عليهم- يواجهون هذه المواقف بذكاء وحزم دون أن يفقدوا هيبتهم:

 

في غزوة تبوك، لما قال رجل في المجلس متحدثًا عن كعب بن مالك رضي الله عنه وهو غائب كلامًا فيه قدح وتنقص، لم يسكت معاذ بن جبل رضي الله عنه ولم يداهن، بل رد بذكاء وشجاعة قائلًا: «بِئْسَ مَا قُلْتَ! وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا» [متفق عليه]. فانظر كيف رد معاذ بحزم وتهذيب، فحمى عرض أخيه وأظهر قوته ووعيه.

 

وكان الحسن البصري -رحمه الله- يُسأل عن الرجل يُغتاب عنده، فكان يظهر الفطنة العالية ويقول: «مَا اسْتَطَالَ أَحَدٌ فِي عِرْضِ أَخِيهِ إِلا لِنَقْصٍ يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ». فالمغتاب ضعيف يحاول التغطية على نقصه بتتبع عيوب الآخرين.

 

كيف نغلق باب الغيبة دون إحراج؟

 

عندما يوجهون لك السؤال المباشر: «ما رأيك أنت في هذه القصة؟» أو «ألا ترى أن تحليلنا في محله؟»، يمكنك استخدام أحد الردود والأساليب التالية بحسب طبيعة السؤال والموقف:

 

1- التحليل الموضوعي العام: حين يحللون شخصية فلان وسلوكه، لا تطعن في الشخص ولا تسايرهم، بل حوِّل الحديث إلى تحليل إنساني عام. كأن تقول: «السرائر يعلمها الله -تعالى- ولا يمكننا الاطلاع على قلوب العباد، ولكن على نحو عام، فإن الظروف الضاغطة في هذه الأيام قد تدفع المرء لتصرفات غير محسوبة. أعان الله الجميع وأصلح البال». فبهذا تظهر بمظهر الإنسان الواعي المثقف الذي يفهم الحياة بعمق دون أن تقع في الغيبة.

 

2- فرض البديل الإيجابي: أظهر ذكاءك بتقديم تفسير آخر لم يخطر ببالهم، مما يظهر اتزان عقلك، كأن تقول: «قد يكون للتحليل الذي ذكرتموه وجه من الصحة، لكنّ هناك أيضًا احتمالًا آخر غائبًًا عنا؛ فلعل للرجل ظرفًا عائليًّا أو صحيًّا لا يعلمه أحد، وقد علمتني التجارب ألا أحكم على قصة حتى أسمعها من صاحبها مباشرة»، ثم تحول دفة الحديث إلى موضوع آخر. فبهذا تبدو قادرًا على رؤية زوايا مختلفة، وفي الوقت نفسه تفتح بابًا لحسن الظن.

 

3- إغلاق الباب بابتسامة: إذا شعرت بضغط عليك لدفعك للمشاركة في حديث لا ترضاه، فيمكنك الرد بابتسامة واثقة قائلًا: «يا كرام، جئت لأستمتع بمجالستكم وحديثكم الطيِّب، ولم آتِ لأكون قاضيًا على الناس! دعونا من أخبار الآخرين وحدثونا عن أمور تفيدنا جميعًا»، وبهذا تقطع الطريق بلباقة، وتظهر بشخصية صريحة غير معقدة، تترفع عن المشاركة في غيبة الناس والحكم عليهم.

 

مقترحات وقائية عملية

 

لتغيير بيئة هذه المجالس أو التكيُّف معها بحكمة، أنصحك بالخطوات العملية التالية:

 

1- تولَّ قيادة الحديث مبكرًا: لا تكن مستمعًا سلبيًّا تنتظر حتى يطرحوا مواضيع القيل والقال. كن أنت من يبدأ الجلسة بطرح مواضيع شائقة مفيدة. فمن يسيطر على بداية المجلس يحدد اتجاهه.

 

2- تحديد وقت المشاركة: ليس بالضرورة أن تحضر المجلس من بدايته لنهايته كل أسبوع إذا كانت الغيبة هي الطابع الغالب عليه. يمكنك تقليل مدة البقاء بالحضور بعض الوقت، ثم الاستئذان بلباقة، فتقليل التعرض يقلل الانزلاق.

 

3- إيجاد بيئة بديلة: احرص على أن تكون لك جلسات أخرى مع أصدقاء صالحين يجمعكم ذكر الله، أو التعلم، أو الرياضة، أو تطوير الذات. فالبيئة الإيجابية تشحن طاقتك الإيمانية وتجعلك أكثر صلابة في المجالس العامة.

 

4- الاستغفار الفوري: إذا حدث وانزلقت في كلمة ندمت عليها، فبادر فورًا بختم المجلس بكفارة المجلس: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ» [رواه أبو داود والترمذي]، واستغفر لمن اغتبته وادعُ له بالخير.

 

وختامًا يا ولدي، لا تسمح للخشية من اتهامك بالسذاجة أن تجعلك تخسر طهارة لسانك وصفاء قلبك؛ فنظر الله إليك ورضاه عنك هو العز الحقيقي. والذكاء الاجتماعي ليس في مسايرة الناس في أخطائهم، بل في قدرتك على التمسك بقيمك مع الإبقاء على حبهم واحترامهم.

 

أسأل الله أن يرزقك الحكمة وفصل الخطاب، وأن يعصم لسانك وسائر جوارحك عن الإثم، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

روابط ذات صلة:

الجلسات العائلية المؤذية.. هل هجرها قطيعة للرحم؟

كيف أوازن بين حفظ اللسان والمشاركة في أحاديث المجالس؟

 

التعليقات

الرابط المختصر :