كيف نوجه خطابًا دعويًّا متوازنًا لرجال الأعمال وأصحاب الثروات؟

Consultation Image

الإستشارة 20/09/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية ورجل أعمال متطوع في التنمية المجتمعية، أتحرك كثيراً في أوساط نخبة رجال الأعمال، والمستثمرين، وأصحاب الشركات الكبرى. ألاحظ أن هذه الفئة المهمة والنافذة في المجتمع تعاني أحياناً من فجوة كبيرة مع الخطاب الدعوي السائد.

بعض الدعاة إذا التقى برجل أعمال، إما أن يمارس معه التملق والثناء المفرط طلبًا لماله ودعمه للمشاريع، أو يوجه له خطابًا وعظيًّا قاسية يركز بالكامل على "تحريم الربا والزهد الجاف وخطورة الثروة"، مما يجعل رجل الأعمال يشعر بأن الشريعة تصادمه وتستهدف ماله فقط.

كيف أستطيع كداعية ومربّ أن أصوغ خطابًا دعويًّا متوازنًا ومحترفًا يوجه لشريحة "رجال الأعمال وأصحاب الأموال"؟ وما هي المدخلات الفكرية والروحية التي نحرك بها إيمانهم ونربطهم بمسؤوليتهم الحضارية نحو الأمة، دون الوقوع في محظور التملق أو المنطق المنفر؟

الإجابة 20/09/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي الفاضل، وبارك الله في حرصك على هداية واستثمار هذه الشريعة المؤثرة في بناء المجتمع.

 

إن شريحة رجال الأعمال وأصحاب المال هي شريحة استراتيجية في الميدان الدعوي، وقد أولاها الإسلام عناية خاصة؛ فكبار الصحابة رضي الله عنهم (كأبي بكر، وعثمان، والغني الشاكر المبارك عبدالرحمن بن عوف) كانوا من كبار التجار وأصحاب الثروات الذين سخروا أموالهم لنصرة التوحيد وبناء الدولة. والخطأ الأكبر هو التعامل مع رجل الأعمال بصفته "حصالة أموال" فقط، دون العناية بـ "إيمانه وعقيدته وتزكية نفسه".

 

ولتقديم خطاب دعوي محترف ومؤثر لنخبة رجال الأعمال، نوصي بالمسارات التالية:

 

أولاً: بناء (المدخل الاحترامي والوعي بالمسؤولية الحضارية):

 

التخلي عن الوعظ النمطي واستبدال به "خطاب البناء والشركاء"

 

1. تقدير عمارة الأرض والأخذ بالأسباب: بيّن لرجال الأعمال أن إنشاء الشركات وتوفير فرص العمل وتنمية الاقتصاد هو نوع من أنواع عمارة الأرض العبادي التي أمر الله بها، قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَركُمْ فِيهَا﴾.

 

2. غرس مفهوم (المال الصالح للرجل الصالح): استدل بالحديث الصحيح الذي رواه أحمد عن النبي ﷺ أنه قال لعمرو بن العاص رضي الله عنه: "نِعم الْمَال الصَّالِح لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ". فاكتساب المال من حلال واستثماره فيما ينفع الناس هو مصدر قوة للأمة ورفعة لصاحبه في الدنيا والآخرة.

 

ثانيًا: تقديم (التزكية الروحية والأخلاقية للتجار):

 

رجال الأعمال يواجهون ضغوطًا وضغوطات نفسية شديدة، وهم أحوج ما يكونون لـ "السكينة والعدل":

 

1. تحذير من فتن المال بأسلوب حكيم: طرح قضايا الشفافية، والأمانة، وعدم بخس أجور العمال، وتجنب المعاملات المحرمة بأسلوب موضوعي يبرز "حكمة الشرع في حماية الاقتصاد" لا بلغة التهديد فقط.

 

2. علاج الشح وإحياء أصل الاستثمار الأخروي: توضيح أن الزكاة والصدقات والأوقاف ليست استنزافًا لأموالهم، بل هي "التأمين الحقيقي للمال" والاستثمار الرابح مع الله. قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ﴾.

 

ثالثًا: الضوابط السلوكية للداعية أثناء التعامل معهم:

 

1. تجنب التملق والطمع المادي: لا تجعل أول لقاء أو حديث مع رجل الأعمال طلبًا لدعم مشروعك الخيري؛ بل اجعل الأولوية لبناء العلاقة الإيمانية وتفقد حاله الروحي والأسري. متى ما أحبك ووثق بدينك، فسيبادر هو بدعم الخير بنفس طيبة.

 

2. الخطاب الناجز واللغة المحترفة: احترم وقت رجل الأعمال الثمين؛ كن محددًا في كلامك، واثقًا من طرحك، واستخدم مصطلحات معاصرة يفهمها (كالحوكمة، والاستدامة، والأثر الاجتماعي).


وأنصحك ختامًا بالآتي:


• إقامة مجالس إيمانية خاصة بنخبة التجار: تنظيم لقاءات دورية مغلقة تعنى بـ "فقه المعاملات المالية المعاصرة وتزكية النفوس" تناسب طبيعة وقتهم.

 

• ربطهم بالمشاريع التنموية المستدامة: وجّه أموالهم ونفوذهم نحو بناء الأوقاف، ودعم الأبحاث، وتأهيل الشباب بدلاً من الاقتصار على الإغاثة المؤقتة.

 

• الدعاء لهم بالبركة والصلاح: خصص لهم دعاءً بأن يصلح الله بطانتهم، ويبارك لهم في أموالهم، ويجعلهم مفاتيح للخير مغاليق للشر.

 

وأسأل الله عز وجل أن يوفقك لفتح قلوب هذه الشريحة، وأن يجعل أموال تجار المسلمين حصنًا وذخرًا للإسلام والمسلمين.


روابط ذات صلة:

كيف نرسخ مفهوم الاستخلاف المالي عند رجال الأعمال في العمل الدعوي؟

كيف يتطهر رجل الأعمال من «المكر القديم»؟

كيف نتعامل مع طبقة الوجهاء وأصحاب الأموال دعويًّا؟

التعليقات

الرابط المختصر :